إعلان

الدولة العراقيّة في مواجهة من "يدّعي المقاومة"

المصدر: النهار العربي
د.مكرم رباح
د.مكرم رباح
الكاظمي-الصدر
الكاظمي-الصدر
A+ A-
الهزيمة التي مُنيت بها إيران وأزلامها في العراق، خلال الأسبوع المنصرم، لم تقع عبر صناديق الاقتراع فحسب، بل تكللت بوصول خليفة قاسم سليماني قائد فيلق القدس الإيراني إسماعيل قاآني إلى بغداد، عشية إعلان نتائج الانتخابات، في محاولة لتدارك السقوط المدوّي لمن "يدّعي المقاومة" في مواجهة مشروع الدولة المتمثل بمصطفى الكاظمي.

لعل النصر الحقيقي لم يكتمل بتمثيل مكوّنات المجتمع المدني وثوار تشرين لمقاطعتهم الانتخابات، أو عدم قدرتهم على توحيد صفوفهم، لكن المجتمع العراقي بكل أطيافه أثبت، عبر صناديق الاقتراع، رفضه مشروع اللا الدولة المتمثل بأزلام إسماعيل قاآني المنتشرين من بغداد إلى بيروت.

خطاب النصر الذي ألقاه مقتدى الصدر، أحد شركاء الفوز الانتخابي، عقب إعلان النتائج، ليس بتصريح عابر بل يصلح ليكون مشروع نهوض لقيام الدول المحتلة من النِّير الإيراني: «من الآن فصاعداً يجب حصر السلاح بيد الدولة ويمنع استعماله خارج هذا النطاق، إن كان ممن يدّعون المقاومة أو ما شاكل ذلك... فقد آن للشعب العراقي أن يعيش بسلام بلا احتلال ولا إرهاب ولا ميليشيات تخطف وتروّع وتنقص من هيبة الدولة».

رغم الكثير من التحفظات على المكون المنتصر في الانتخابات العراقية، والشوائب العديدة التي ميزت أداءه السياسي في السابق، فإن فلسفته الأخلاقية والقانونية تبقى في الاتجاه الصحيح، لا سيما في مواجهة مشروع إيراني توسعي لا يعترف بالدول الأخرى، ويرفض الانصياع لمشيئة الناخبين، كما هي الحال في الانتخابات العراقية الأخيرة.

الصوت العراقي الحر والشجاع لم يتراجع أمام الحشد الشعبي والعراضات العسكرية غير الشرعية، بل كافأ مصطفى الكاظمي على العديد من مواقفه السيادية البسيطة التي أعطت المواطن العراقي والعربي بارقة أمل، ولو لبضع ساعات أو بضعة أيام.
 
ما حققته الانتخابات العراقية هو تذكير ربما لأمثال الرئيس الأميركي جو بايدن ونظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون، والعديد من الدول الغربية، بأن الرهان على عقلانية الحرس الثوري الإيراني وتمدّنه وسيّده يبقى رهاناً خاسراً، إن لم نقل أحمق.
 
رد فعل محور "مدّعي المقاومة" العنيف على خسارته الانتخابية هو أمر طبيعي ومتوقع، كون ثقافته المبنية على القوة والسلاح، وعنجهيته المعتادة، تمنعه من تقبل مشيئة الشعب العراقي، واتجاه هذا المحور نحو رفض نتائج الانتخابات ليس إلا مقدمة لعاصفة مجنونة من العنف، تبدأ بسلسلة من الاغتيالات والتفجيرات، لتعيد تذكير الجميع بأن ورقة الاستقرار هي بيد إيران، وأن السلطة الفعلية هي للسلاح لا للدولة.
 
الكاظمي لم يخض الانتخابات النيابية كشخص بل كمفهوم لاستمرارية الدولة، وقد انتصر مشروعه مع خطاب مقتدى الصدر الذي بدأ مسيرته السياسية الشعبوية بتزعم "جيش المهدي"، قبل أن يعود لينضوي تحت جناح الشرعية والدولة، ويقوم بتعرية أقرانه من الشيعية المرتهنين لإيران، ولو على مصلحة الشعب العراقي وثرواته.

الأنموذج العراقي بكل شوائبه يبقى إحدى الطرق الفعالة التي يجب على شعوب المنطقة اعتمادها، لا سيما في لبنان وسوريا، وعلى رأسها قوى التغيير المدنية، من أجل استنهاض العناصر المتبقية من الشرعية والدولة، والسير نحو مواجهة مفتوحة مع القوى الشمولية التي تعتقد أن ثقافة القتل والاغتيالات والموت هي ثقافة حياة. وفيما لا يصح وصف الدولة والسلطة الحاكمة في العراق بالرشيدة، كون الفساد لا يزال النظام التشغيلي السائد، تبقى المقاومة الفعلية للحفاظ على الدولة هي الأساس في وجه هؤلاء الذين يدّعون المقاومة ويدّعون نصرة المستضعفين.
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم