إعلان

قبل أن يجرفك بعيداً

المصدر: النهار العربي
العنود المهيري
العنود المهيري
غابي بيتيتو وخطيبها
غابي بيتيتو وخطيبها
A+ A-
كانت غابي بيتيتو مجرد فتاة تجوب أميركا في حافلة صغيرة برفقة خطيبها برايان لوندري وتوثق رحلتهما في "يوتيوب" حين فُجعت المنصة باختفائها الغامض. تم البحث عنها شهراً كاملاً حتى عُثر على جثتها، وتأكد مقتلها خنقاً. أما خطيبها، والمتهم الأول، فـ"فص ملح وذاب" تعكف السلطات على إيجاده. 
 
في كل مرة تُقتل فيها امرأة، تُفتح السجلات المطوية -وبعد خراب مالطا- عما كان قد اعترى علاقتها بمعنّفها من تشنجات وتجاوزات وسلوكيات مريبة.
فمنذ اختفت غابي، تحدث شهود عيان عن صفعة وجّهها برايان إليها، كما حلل خبراء لغة الجسد تسجيل فيديو من كاميرات الشرطة يظهر غابي في حالة بكاء هستيرية، ولاحظوا خوفها من برايان، ما يدل الى تسلّطه وهيمنته.
وكل هذه قد تندرج تحت العلامات التحذيرية البديهية لكون المرأة في علاقة مع معنّف، أما العلامة الأبرز التي أشعر بأن الأغلبية لم تتفطن إليها كانت -صدّق أو لا تصدّق- هي الحافلة.
 
ليتسنى له الاستفراد بالضحية، يلجأ المُعنّف عادة إلى عزلها عن محيطها، وكأنما يكسر عمودها الفقري، ويقطع عنها الأوكسجين. تقول الدكتورة ليسا فونتيس في كتابها "الأصفاد اللامرئية" بأن "الانعزال والاتكال على المُعنّف يجعلان حياة الضحية تتمحور حول رغباته".
 
والمرعب أكثر بالنسبة الينا كعربيات هو كم يتيسر للمُعنّف عزل ضحيته عن مقومات النجاة بتفويض من وصايته القانونية، أو التفسيرات الدينية الموجبة لطاعته، أو حتى العادات والتقاليد التي تتفهم غيرته المرضية وتعنته.  
هو لن يضعها بالضرورة في مركبة ويجوب بها البلاد كما فعل برايان، ولكنه قطعاً سيدفعها إلى هامش الحياة.
فالعزل يبدأ مع العائلة والأصدقاء، كأن يفتعل المُعنّف المشاكل معهم، أو يشكك في نواياهم. وكم من امرأة في مجتمعاتنا الخليجية تلتقي رفيقاتها خلسة كمروجي المخدرات لأن زوجها لا "يرتاح لفلانة". كما شاهدت العديدات من المهاجرات في الإمارات ممن لا يكدن يعرفن أحداً سوى أزواجهن في غربتهن هذه، إذ يحرمهن العزل من تكوين الروابط في بيئتهن الجديدة.
 
والعزل قد يتخذ سمات السجن، لا سيما في مجتمعاتنا العربية، بمنع مجرد مغادرة الضحية المنزل، واختلاطها بالناس، وامتلاكها حرية التنقل. أو قد يصر المعنّف على مصاحبتها في كل تحركاتها وأنشطتها، وهو ما يسهل تبريره بالحرص والتعلّق. 
والعزل قد يكون بكبح تقدّم المرأة نحو الاستقلالية، فيحارب إكمالها تعليمها، أو توظيفها. أو -يا للوقاحة!- قد يرتكز الى التحكم في مالها. 
 
والعزل قد يكون افتراضياً عن فضاءات التواصل الاجتماعي، وهو ما أجزم شخصياً بأنه في تزايد مطرد بسبب ما توفّره هذه الوسائل من توعية للنساء المُعنّفات، وعوناً لهن.
مؤسف أن نضطر إلى التعلّم من "جثث" النساء اللواتي سقطن قبلنا، ولكن نمط حياة غابي جسّد هذه العلامة التحذيرية المتمثلة في عزل الضحية بصورة شبه حرفية، وكأنما يدوي بصافرة الإنذار في إذن كل واحدة منا.
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم