إعلان

لبنان: الصراع الدموي يعطب الحكومة و"حزب الله" يحدد مصير النظام!

المصدر: النهار العربي
ابراهيم حيدر
مسلحون خلال مواجهات عين الرمانة - الشياح. (نبيل اسماعيل)
مسلحون خلال مواجهات عين الرمانة - الشياح. (نبيل اسماعيل)
A+ A-
قبل أن تنفجر بين منطقتي عين الرمانة والشياح على خط التماس القديم، خلال الحرب الأهلية عام 1975، كانت الأجواء تشير الى أن الأمور ذاهبة الى تصعيد كبير. وهو مرتبط في شكل رئيسي بالتحقيق في انفجار مرفأ بيروت. كاد هذا الملف أن يفجّر الحكومة، فانفجر الوضع الأمني على الأرض وسارت الرياح بما لا يشتهي "حزب الله" الذي أراد تكريس واقع ضاغط في وجه المحقق العدلي طارق البيطار بهدف تطييره ودفع الحكومة أو مجلس القضاء الأعلى إلى اتخاذ قرار بتنحيته عن القضية.
 
الحدث الأمني الكبير الذي ضرب بيروت، لا يمكن حصره بملف واحد، وإنْ كان امتداداً لتحقيقات انفجار المرفأ، فهو يفتح أولاً على مواجهات بين أطراف سياسية عدة، لتكريس وقائع طائفية في المناطق، وثانياً انعكس على وضع الحكومة اللبنانية، إلى حد أنه يمكن القول إن المرحلة السياسية المقبلة ستكون مختلفة عما كانت عليه قبل المواجهات واستخدام "حزب الله" الشارع للضغط وكذلك تعليق المشاركة في اجتماعات الحكومة. الواقع أن "حزب الله" خسر في جولة التصعيد الأولى على الأرض، إذ تبيّن أن الشارع بين الجهتين المتقابلتين في مواجهات خط التماس الممتد من عين الرمانة إلى الشياح، كان عصياً، وبالتالي تكرست خطوط حمر جديدة لا يمكن تجاوزها، وإن كانت المعركة مفتوحة ولها امتدادات إقليمية ومرتبطة بوضع دولي جديد يتشكل من سوريا الى العراق.
 
يقدم "حزب الله" موقفه من قضية التحقيق على أن لديه هواجس من تسييسه، وأن القاضي طارق البيطار يستهدف محور المقاومة وينفذ أجندة أميركية. وبهذا الموقف يضغط الحزب لإزاحة المحقق العدلي، لكنه لم يتمكن حتى الآن من توفير الآلية المناسبة وحشد الدعم لتنحيته رسمياً، خصوصاً أن حليفه رئيس الجمهورية ميشال عون المُحرج قد اتخذ موقفاً يناصر التحقيق، من دون أن يفك تحالفه مع "حزب الله" القائم على مصالح متبادلة. لكن تحرك محور المقاومة على الأرض ذهب في اتجاه آخر، وتبيّن أن اختراقاته للبيئات الطائفية لتطويعها بفائض قوته لا سيما بعد تشكيل الحكومة التي اعتبر أنه كان له الدور الأول فيها، توقفت عند حدود عين الرمانة، وهذه مسألة يعتبرها من وجهة نظره بمثابة الانتكاسة أو الخسارة. إلا أن النقطة المهمة تتعلق بالحكومة التي تعرضت لعطب كبير على خلفية ملف التحقيقات وما حدث على الأرض، علماً أن كل استحقاقات الحكومة والملفات المتعلقة بها قابلة لتفجيرها من داخلها.
 
أخذ ملف المحقق العدلي في قضية انفجار المرفأ أبعاداً جديدة بعد اشتباكات الشياح – عين الرمانة، وهو فتح أيضاً على صراعات وتحالفات لن يكون أي أحد بمنأى عنها. الاحتمال المرجح أن الحزب سيرفع من وتيرة ضغوطه لتأكيد قوته أولاً وأنه صاحب القرار النهائي، وثانياً للقول إن انتصاراته لا تقف عند حدود اشتباك في عين الرمانة أو عند المحقق العدلي، فبالنسبة إليه انتصر على المحور الأميركي في لبنان وهو حتى الآن لم يتخذ قراراً لتطهير الإدارة مما يسميها بـ"الهيمنة الأميركية"، وهو لن يفرط بما يعتبره انجازات تحققت باستيراد المحروقات والتي توّجت بزيارة وزير الخارجية الإيراني حسين أمير عبد اللهيان إلى بيروت. ولذا لن يكون الحزب محرجاً في التصعيد في وجه الجميع بمن فيهم رئيس الجمهورية للوصول الى قرار بتنحية القاضي البيطار.
 
تعطلت جلسات الحكومة اللبنانية حين انفجر الخلاف حول ملف المحقق العدلي في 12 تشرين الثاني (نوفمبر) الجاري، وهي الجلسة الأخيرة قبل تعليق عمل مجلس الوزراء. وفي هذه الجلسة وقع الخلاف حين قال عون وفق ما تسرب من أجواء إنه "لا يمكن للحكومة أن تتخذ قراراً بإقالة القاضي، لأن ذلك يُعدّ تدخلاً في عمل السلطة القضائية، ويتعارض مع مبدأ فصل السلطات". وفي موقف عون مفارقة أنه يرفض إقالة البيطار وفي الوقت نفسه يرفض إعطاء الإذن لملاحقة اللواء طوني صليبا الذي يُقال إنه محسوب عليه. وهنا التناقض الأول والإحراج الأساسي. فيما الخلاف مع الحزب في هذه النقطة له علاقة بحسابات عون ولا يعني الابتعاد من "حزب الله". لكن بعد الاشتباكات الأخيرة التي تذكر بالحرب الأهلية والاصطفافات الطائفية، ومنها في الساحة المسيحية أيضاً انطلاقاً من الصراع على النفوذ، ستأخذ الأمور أبعاداً سياسية أخرى في الحكومة اللبنانية، وهي لن تنتهي قبل حسم ملف الاستحقاق الأول الذي واجهها.
 
يعني ذلك أن حكومة تشكلت على قاعدة محاصصة ومراكز قوى وهيمنة داخلها لقوى الممانعة، مهددة دوماً بشل عملها وهي بالفعل أسيرة حسابات ومصالح قوى سياسية داخلها، طالما أنها أصيبت بعطب في ملف تحقيقات المرفأ، فكيف بملفات أخرى واستحقاقات مصيرية عدة ينبغي أن تواجهها؟. لكن ملف المرفأ يبقى في الطليعة وإنْ كانت الاحتمالات تشير إلى أن الهيمنة قد تؤدي إلى كف يد القاضي البيطار أو محاصرته على الأقل، إذ إن "حزب الله" لن يقبل باستمراره في مهمته، ليس فقط بسبب ملاحقة أسماء شيعية قريبة منه، بل أيضاً بفتح باب ملفات المرفأ السابقة على مصراعيه. وهذا الأمر يُسقط الحكومة بالعجز عن مواجهة الاستحقاقات داخلياً ومع الخارج أيضاً ما يؤدي إلى أزمة في البلد، أو أن يتحول ملف المرفأ وغيره متاريس في حسابات القوى المشكّلة للحكومة، خصوصاً حسابات الصلاحيات والقرار للرئيس عون وصهره رئيس "التيار الوطني الحر" جبران باسيل، وصولاً إلى إعادة تشكيل النظام، وهنا لـ"حزب الله" الدور المقرر والحاسم بهيمنته وفائض قوته.
 
في المقابل، يسعى رئيس الحكومة نجيب ميقاتي الى إبقاء الحكومة، وهو لا يريد مواجهة لا عون ولا "حزب الله"، لكنه محرج، أما المجتمع الدولي الذي لا يريد إغضابه أيضاً، ولذا قد يسعى إلى نوع من الوسطية لتجنب تفجير الحكومة، أو سقوطها. والواقع أن "حزب الله" وضع شروطه في ملف التحقيقات وهو لن يتراجع عنها، خصوصاً بعد انتكاسته في المعركة الأخيرة، وهو سيسعى الى تأكيد هيمنته وتدخله في كل الملفات، وهي كلمة السر التي أعطاها أمينه العام السيد حسن نصر الله. وعلى هذا لم تنعكس التسوية الفرنسية – الإيرانية التي شكلت الحكومة انفراجاً في البلد وهي في الأساس ناتجة من حسابات ضيقة، فيما يشتغل الأميركيون على مستوى المنطقة كلها، وفي لبنان لديهم حساباتهم ويركزون على دعم الجيش. لكن الوضع في البلد خطير وقد نشهد مواجهات أكثر حدة مما شهدناه في عين الرمانة – الشياح، ضمن موازين قوى مختلة، طالما أن هناك قوى مسيحية تعتبر أن "حزب الله" يريد كل شيء، فيما الصراع مفتوح على تركيبة النظام وهويته وحتى استمراره بلداً موحداً ...
 
Twitter: @ihaidar62
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم