بندر بن سلطان وأولوية ترسيخ الاستقرار!

حسن المصطفى
الأمير بندر بن سلطان
الأمير بندر بن سلطان
A+ A-
في الحلقة الثالثة والأخيرة لوثائقي "مع بندر بن سلطان"، والتي عرضت على شاشة قناة "العربية"، في 7 تشرين الأول (أكتوبر) الجاري، تحدث الرئيس السابق لمجلس الأمن الوطني السعودي الأمير بندر بن سلطان، عن الأوضاع التي تجتاح منطقة الشرق الأوسط، معتبراً أن واجب القيادات السياسية "الحفاظ على الأمن الوطني، ومصالح شعوبنا الأمنية والاقتصادية والرفاهية والاجتماعية"، مشبهاً وضع دول الخليج العربية، كمن يعيش وسط "بحر هائج". ودعا أيضاً، الشعوب للمساهمة في حفظ الاستقرار، منطلقاً في رؤيته هذه من تجربة امتدت منذ بداية ثورات "الربيع العربي"، التي انطلقت شعلتها في كانون الأول (ديسمبر) 2010، عندما أضرم الشاب التونسي محمد بوعزيزي، النار في جسده، لتتطور الحوادث في كانون الثاني (يناير)، وتكبر كرة النار في أكثر من قُطرٍ عربي.
 
مراقبة التغيرات
 
أتت التظاهرات الشعبية في بداياتها مطالبة بالتغيير والإصلاح وتحسين الأوضاع المعيشية والاقتصادية والسياسية، إلا أنها انتهت إلى حمام دمٍ، وحروب أهلية في أكثر من بلد، وتحولت تلك الدول إلى مساحات جاذبة للقوى الأصولية، بمختلف تنوعاتها المذهبية، التي زادت من حدة الاقتتال الطائفي، وسط استخدام سياسي للدين في تأجيج النزاعات.
 
لم يكن الأمير بندر بن سلطان، وقتها بعيداً من المشهد، كان جزءاً من دائرة صنع القرار السعودي، ضمن الفريق القريب من الراحل الملك عبدالله بن عبد العزيز، وكانت له أدوار خارجية رئيسة، الأمر الذي جعله يمتلك كمية معلومات هائلة، وتفاصيل دقيقة عما يجري في سوريا ومصر والخليج، كما الدول والمناطق الأخرى التي شهدت تحركات شعبية أو مواجهات مسلحة.
 
الإصلاح التدريجي
 
المتابعون للسلوك السياسي للرئيس السابق لجهاز الاستخبارات السعودي، يدركون أن بندر بن سلطان شخصية ذات نزعة إصلاحية، تحديثية، تؤمن بأهمية أن تطور الأنظمة أدوات إدارتها للدولة، وأن يكون للمجتمع المدني والقوى الفاعلة والنخب دور رئيس في ذلك، وهو من المؤمنين بضرورة منح المرأة والشباب مساحة أكبر في الوطن العربي، وتطوير التعليم، والتخفيف من الخطابات الأصولية، والحد من الاستخدام السياسي للدين، فضلاً عن احترام الحرية الشخصية، وخلق مجتمعات متعددة، تؤمن بالاختلاف، وتحترم القانون. وهو يؤمن بضرورة أن يتم ذلك من "داخل النظام"، مع الأخذ في الاعتبار "التوقيت المناسب"، من دون هرولة، ومن دون إبطاء، بعيداً من "هدم المنجزات" أو تقويض "كيان الدولة" واستقرارها؛ وهي نظرة تتقاطع مع رؤية إصلاحية مقاربة كانت أيضاً لدى وزير الخارجية السعودي الراحل، الأمير سعود الفيصل.
 
محاصرة الحرائق!
 
بندر بن سلطان، ليس شخصية "يمينية متطرفة" تسعى الى إشعال الحرائق أو خلق بؤر توتر دائمة، كما يروج منتقدوه وخصومه في أدواتهم الإعلامية؛ بل من يتابع تجربته السياسية، يجد أن له أدواراً مهمة في إرساء السلام في لبنان، وليبيا؛ وأيضاً محاولات جادة لبناء جسور حوارٍ حقيقي مع النظام الإيراني، وخير شاهد على ذلك، المحادثات الشهيرة التي عرفت باسم "محادثات بندر – لاريجاني"، عام 2007، حيث زار حينها الأمير بندر بن سلطان، العاصمة الإيرانية طهران، وأجرى محادثات عدة مع رئيس مجلس الأمن القومي الإيراني السابق علي لاريجاني، عقبها لقاء مع مرشد الثورة آية الله علي خامنئي، جرى خلالها بحث العديد من الملفات المهمة والحساسة، سواء تلك المتعلقة بالعلاقات الثنائية بين الرياض وطهران، أو الأوضاع في لبنان وسورية، فضلاً عن الملفات الإقليمية الأخرى.
 
اشتغل بندر بن سلطان أيضاً، ضمن الفريق السعودي الذي عمل على المصالحة بين السلطة الفلسطينية وحركة "حماس"، عام 2007، وهو تحدث بشيء من التفصيل عن المفاوضات الصعبة والمكوكية التي جرت بين الوفدين، وكيف سعى السعوديون الى تذليل العقبات، وتسهيل الوصول إلى "اتفاق مكة"، الذي وقعه الرئيس الفلسطيني محمود عباس، ورئيس المكتب السياسي لحركة "حماس" خالد مشعل، في حضور العاهل السعودي الملك عبدالله بن عبد العزيز، إلا أن "الإخوة – الأعداء" لم يلتزموا ما تعاهدوا عليه!
 
حتى في الملف السوري، والذي اتهم الأمير بندر بن سلطان أنه ساهم في تأزيمه، وهو الأمر الذي ينفيه من عمل مع بندر... هؤلاء النقادُ يغفلون عن الأدوار السلبية التي مارسها الساسة القطريون والأتراك، وعدم جدية إدارة الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما في اتخاذ موقف حازم تجاه نظام الرئيس السوري بشار الأسد، ما ساهم في ترجيح كفة الأسد وحلفائه: روسيا، إيران، "حزب الله"، والمليشيات العراقية... يضاف إلى ذلك، الدور السلبي الذي مارسته القوى "السلفية – الجهادية" في الدعم المادي واللوجستي، لتنظيمات "راديكالية" ضمت العديد من المقاتلين من خارج الحدود، عبروا الأراضي التركية، بتسهيل من المخابرات، وتمويل واسع، وهو الأمر الذي لا يمكن لشخص مثل الأمير بندر بن سلطان أن يقف مقابله وحده، طالما هنالك تراجع للدور الأميركي، وحياد سلبيٌ أوروبي، ومهمات "قذرة" تمارسها المخابرات التركية والقطرية، ونفرةٌ واسعة لـ"التكفيريين"، وتوحد في جبة: دمشق، طهران، موسكو، الضاحية الجنوبية؛ وشدٌ للعصب المذهبي، والتحريض المتواصل عبر الفضائيات ووسائل التواصل الاجتماعي ومنابر المساجد!
 
قناعة راسخة
 
وجهة النظر التي قدمها الأمير بندر بن سلطان في نهاية الوثائقي، هذه السنة، ليست بالجديدة، أو الطارئة، أو موقف سياسي آني، بل يمكن الوقوف عليها في مقالته التي نشرها في صحيفة "إيلاف" الإلكترونية عام 2016، عندما كتب: "في النهاية، الناس في منطقتي يتوكلون على الله، ويعززون قدراتهم وتحليلهم للوضع بالتعاون مع الجميع، باستثناء حليفنا الأقدم والأقوى". وهو في ذلك يشير إلى أهمية أن تعتمد الأنظمة والشعوب على ذاتها، والتعاون والتكامل بينها، وعدم الاتكال على "الحليف الأقدم"، أي الولايات المتحدة، لأن قوة أي نظام تكمن من داخله، من قدراته وتطوره وبنيته التعليمية والقانونية والاقتصادية والانتاجية، وتنوع مصادر دخله وصناعاته، وثقافته وقيمه، ورأسماله الأساس، هو الشعب، الذي هو محط الاهتمام، والقوة الرئيسة التي تدفع نحو التطوير والإصلاح، وتحافظ على أمن وتماسك النظام".
 
النقاش الجدي
 
صحيح أن وثائقي "مع بندر بن سلطان" انقضى بحلقاته الثلاث، وهناك الكثير من الجدل دار حوله، سواء في وسائل التواصل الاجتماعي أو بعض البرامج التلفزيوينة والتقارير الصحافية، إلا أن هذا الجدل، من المفيد أن يتحول إلى نقاشات سياسية، تاريخية، تحليلية، مع شخصيات عاشت تلك المرحلة، وتعرف شيئاً من التفاصيل التي تحدث عنها بندر بن سلطان، سواء ممن كانوا معه في واشطن حينها، في السلك الدبلوماسي العربي والأجنبي، أو حتى من عملوا معه على ملفات منطقة الشرق الأوسط، بُعيد عودته من الولايات المتحدة.
 
هي فرصة لنقاش هادئ، يتأمل ببصيرة وحكمة في الواقع الحالي، يستخلص العبر، ويكوّن نظرة أكثر شمولية وعقلانية وعملانية، بمقدورها أن تؤسس لأفكار سياسية قابلة للتحقق، أو مبادرات يعمل عليها وفق خطط زمنية، تستطيع أن ترسخ السلام والتنمية والإصلاح في الوطن العربي، وتحد من الحروب والتوترات والخطابات الطائفية والإنعزالية. 
الكلمات الدالة