إعلان

هل مقاطعة الانتخابات في العراق هي الحل؟

المصدر: النهار العربي
فاروق يوسف
فاروق يوسف
من انتفاضة تشرين العراقية
من انتفاضة تشرين العراقية
A+ A-
"ما من تغيير يُتوقع حدوثه في الانتخابات التشريعية المقبلة" تلك قناعة ترسخت في أذهان الشباب العراقيين الذين خرجوا محتجين على تردي الأوضاع في تشرين الأول (أكتوبر) عام 2019 بعدما كانوا على يقين من أن مشاركتهم في تلك الانتخابات ستحدث انقلاباً في ميزان القوى. فما الذي حدث لكي يحل التشاؤم محل التفاؤل؟ 
 
حين سقطت حكومة عادل عبد المهدي نهاية عام 2019 عجزت الأحزاب الحاكمة عن فرض مرشح لقيادة حكومة موقتة تقوم بالتهيئة لإجراء انتخابات مبكرة بسبب رفض الشارع العراقي كل الأسماء التي تم تداولها. لذلك جرى الاتفاق على تسمية مصطفى الكاظمي باعتباره شخصية مستقلة للقيام بتلك المهمة. 
كان واضحاً أن الكاظمي لم ينل موافقة الكتل السياسية الممثلة للأحزاب الرئيسة في مجلس النواب إلا في إطار تسوية أميركية ــ إيرانية وهو ما اعتبره الكثيرون انتقالاً سلمياً للسلطة من القوى السياسية التقليدية التي حكمت العراق بعد الاحتلال الأميركي عام 2003 إلى تيار سياسي يغلب عليه الطابع السياسي العملي غير العقائدي. وفي ذلك ما أوحى بأن أمور الحكم ستنحو في اتجاه اعادة تشكيل الدولة من خلال مسارين هما الإصلاح ومحاربة الفساد. 
 
كان هذان العنصران قد شكلا مطلبيْن رئيسييْن للمحتجين الذين أُصطلح على تسميتهم بـ"التشرينيين". وكما يبدو فإن الأحزاب التي خسرت أمام الشارع حين تخلت عن رغبتها في رئاسة الحكومة ربحت جولة مهمة، إذ وضعت الكاظمي في الواجهة لتوهم من خلاله المحتجين بأن الجزء الأساس من مطالبهم في طريقه إلى التنفيذ وهو ما دفع قادة الحراك الشبابي إلى اعتبار ظهور الكاظمي بمثابة بداية، لا لتصحيح العملية السياسية، بل للتخلص من الطبقة السياسية الفاسدة. 
 
هل كان الكاظمي من حيث لا يدري جزءاً من مخطط لإجهاض الانتفاضة الشبابية بطريقة سلمية بعد أن عجزت الميليشيات بقناصيها وعصاباتها عن القيام بذلك؟ 
لم يكن الرجل معروفاً على الصعيد السياسي بالرغم من أنه ينتمي إلى الوجبة الأولى من المعارضين العراقيين القادمين مع المحتل. كل الأدوار التي لعبها قبل الاحتلال وبعده كانت ثانوية. قبل الاحتلال كان صحافياً وبعد الاحتلال عمل في مشروع الذاكرة العراقية الذي ابتكره الأكاديمي كنعان مكية وكان الهدف منه غامضاً بحيث طويت صفحته ولم يترك أثراً ولم يعرف أحد أين ذهبت الوثائق التي استولى عليها ذلك المركز الذي يرجح البعض أن جهات استخباراتية تقف وراء تمويله وقد عمل في خدمتها. ولا يستبعد الكثيرون أن تكون تلك الجهات إسرائيلية بسبب العلاقات الوثيقة التي تربط مكية بمؤسسات أكاديمية إسرائيلية. 
 
ولأن الكاظمي أميركي الهوى فقد اقترح شباب تشرين على أنفسهم أن يكفوا عن إزعاجه، لا حباً بأميركا بل كرهاً بإيران وأحزابها وميليشياتها التي استولت على كل شيء في العراق ولم تكتفِ بالسلطة وما تدره من منافع. ذلك رهان لم يكن صائباً. فالرجل بدا كما لو أنه يحاول أن يحد من سلطة الأحزاب والميليشيات غير أنه فشل في كل محاولاته ولم ينخفض منسوب الفساد في عهده بل استمر في خط تصاعدي. 
 
على سبيل المثال أعلن الكاظمي عن نيته إصدار قانون يمنع الشخص الواحد من تسلم رواتب متعددة (البعض يتسلم عشرة رواتب) غير أنه لم يستطع تشريع ذلك القانون وتفعيله، وكذلك الأمر في ما يتعلق بقانون رواتب لاجئي رفحاء الذي رغب في اعادة النظر فيه غير أنه قوبل بالسخرية بحيث بقي الرفحاويون يتمتعون بامتيازاتهم السحرية. ذلك قانون عجيب. فهو ينص على أن كل مولود من أب أو أم رفحاوية (رفحاء مدينة سعودية هرب إليها عراقيون بعد أحداث شغب وقعت بعد حرب تحرير الكويت عام 1991) يحق له أن يتمتع بالحصول على راتب باعتباره مجاهداً بغض النظر عن السنة التي ولد فيها. وبالرغم من لا عقلانية وغرائبية ولا شرعية ذلك القانون فإن الكاظمي شُلت يداه حين اقترب منه. 
 
في ضوء كل تلك المعطيات تبدو الطرق كلها مسدودة. فالانتخابات القادمة التي عدَلَ مقتدى الصدر بتياره الشعبي الواسع عن مقاطعتها ستكون مناسبة تثبت إيران من خلالها مرة أخرى أن لها اليد الطولى في التحكم بمصير العراق. ذلك لأن قرار عودة الصدر إلى الانتخابات هو قرار إيراني كما أن الكاظمي الذي يأمل في أن يستمر في منصبه بدعم من التيار الصدري لن يكون مصدر ثقة بالنسبة الى "التشرينيين". 
 
ليس أمام المحتجين وهم المعارضون الوحيدون للعملية السياسية القائمة على المحاصصة سوى أن يدعوا إلى مقاطعة الانتخابات من خلال تنظيم حملات توعية شعبية قد لا تجد صدى في مواجهة ما تنفقه الأحزاب والميليشيات من أموال لشراء الأصوات، إضافة إلى أن البعد السياسي الطائفي لا يزال يلعب دوراً كبيراً في ابتزاز الأغلبية الجاهزة وتلك مسألة معقدة لن يتمكن الشباب من حل الغازها وتفكيكها بيسر. 
 
لن يندم المقاطعون على ما فعلوه. فبعد أن تراجع التيار الصدري عن المقاطعة صار واضحاً أن أصوات ملايين المقترعين ستذهب إلى رصيد الأحزاب الطائفية وهو ما يعني إعادة إنتاج النظام الذي سيعزز وجوده بالميليشيات التي ستنتقل إلى إدارة الدولة. فالوثيقة التي وقعتها الأحزاب الحاكمة ونصت على محاربة الفساد وكانت هي ذريعة الصدر في تراجعه عن المقاطعة هي في حقيقتها وثيقة استسلام نهائي سيكون العراق بعدها دولة خاضعة لحكم الميليشيات.    
    
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم