إعلان

العرب... والعودة إلى الكهف!

المصدر: النهار العربي
د.خالد باطرفي
د.خالد باطرفي
انسان آلي يملك حاسة لمس
انسان آلي يملك حاسة لمس
A+ A-
يختلف العلماء حول تاريخ أول إنسان، وهيئته وأدواته. ولكنهم يتفقون على أنه كان منعزلاً، يتعايش مع بيئته، ويعيش على مخرجاتها لتلبية احتاجياته الأساسية، من مأوى وطعام وربما كساء. سمي رجل الكهف لأنه لم يتعلم بناء مسكن بعد، وعليه أفترضنا أنه لجأ الى الكهف كبيت جاهز، يحتمي فيه من عناصر الطبيعة والكائنات المفترسة. 

وفيما بقيت الكائنات الأخرى على حال مماثل، ساعد الانسانَ عقله ولسانه في ابتكار وسائل جديدة للحصول على احتياجاته. فاخترع الفؤوس والرماح، فالسيوف والسهام، ليصطاد فرائسه ويقاتل خصومه. اكتشف اللغة والنار وأدوات البناء. وعندما هجن المطايا واكتشف العجلة، سابق الزمن وتغلب على الجغرافيا للوصول الى الأماكن البعيدة بسرعة وراحة.  

عقبة المكانية
لكن كل هذه القفزات البشرية لم تمكن الإنسان من أن يكون في أكثر من مكان بوقت واحد. وبقي هذا حاله لملايين السنين حتى القرن العشرين عندما اخترع الهاتف والراديو والتلفاز. فمن طريق هذه الأدوات الجديدة، أصبح بإمكانه أن يتواصل مع الآخرين، أفراداً وجماهير، في أماكن مختلفة، قريبة وبعيدة، وفي وقت واحد، بالصوت والصورة والهولوغرام. 

وفي مطلع القرن الحادي والعشرين أصبحت تقنية التواصل الاجتماعي في يد بلايين البشر، تسمح لهم بالاجتماع والبث والتواصل المباشر عبر الحدود الجغرافية للأرض والفضاء. وصار بإمكاننا أن نقوم بأعمالنا المحلية والدولية عبر أداة بحجم الكف، وندير قنوات إعلامية فضائية تبث مباشرة على الأثير، ونتواصل مع زملائنا وأحبابنا لحظة بلحظة، حتى ولو كانوا في الطرف الآخر من الكرة الأرضية، أو يعبرون السماء من بلد الى آخر، ومن قارة الى أخرى.

المعرفة للجميع
كما أصبحت العلوم والمعارف متاحة لكل من يتقن استخدام الهاتف المتنقل، والحاسوب الآلي، والصحف والكتب والمراجع العلمية متاحة بضغطة زر، وأكثرها من دون مقابل. وباتت زيارة مكتبات كبرى كالمكتبة البريطانية (170 مليون كتاب) أو مكتبة الكونغرس (160 مليون كتاب) والاطلاع على محتوياتها المعرفية بأشكالها المختلفة متاحة الكل باحث في أي مكان وفي أي وقت. وصار بوسع كل منا أن يصبح مصدراً للمعلومة أو مستهلكاً لها، من دون فلترة وتدقيق ومن دون إذن وترخيص. 

وهكذا انتقلت البشرية الى ما يسميه وزير البترول السعودي الراحل هشام ناظر، "القوة من النوع الثالث" في كتاب بهذا العنوان تشرفت بترجمته من الإنكليزية الى العربية. فبعد أن تجاوز الناس مرحلة التكيف مع الطبيعة الى مرحلة تكييف الطبيعة، وصلوا اليوم الى القدرة على تجاوز محددات الطبيعة المكانية والزمانية، وتملك القوة التي تمكن من الوصول الى عقول الناس وقلوبهم من بعد وصوغ أفكارهم وقيمهم وقيادة أحلامهم وطموحاتهم. 

وهكذا، تغيرت أدوات الهيمنة من الأسلحة النارية الى الأسلحة الفكرية، ومن القوة الملموسة الى القوة الأثيرية. ولم يعد استعباد الناس وتسييرهم مهمة القوات المسلحة بأدوات القتل والردع، بل تلك المتسلحة بالمعرفة التقنية والثقافة الشعبية، وبالمعلومات المضللة والخدع الرقمية والحيل النفسية. 

الكهف الإلكتروني
وهكذا عاد الإنسان الى كهفه من جديد، المزود بأحدث التجهيزات التقنية التي تسمح له بالتواصل الاجتماعي، بالتعلم والعمل، الرياضة والترفيه، من دون أن يغادر موقعه، إلا في ما ندر. فبإمكانة أن يطلب احتياجاته، ويدير انشطته، ويبث أفكاره، ويستقبل أفكار الآخرين، ويجول حول العالم والفضاء من بعده، من مقعده. وقد لحظنا كيف أصبحت هذه القدرة نعمة والبيت جنة في ظروف العزل الإجباري والتباعد الاجتماعي التي فرضتها جائحة كورونا، كما في حالات اختلال الأمن والمواصلات وضعف البنى التحتية. 
 
وتأثيرات هذا التحول كبيرة وخطيرة في السياسة والاقتصاد، وطبائع الإنسان وأسلوب الحياة. إذ لم يعد المنتج الصناعي والزراعي والتعديني هو معيار تفوق الأمم وغناها. فجزيرة صغيرة محدودة الموارد الطبيعية والسكانية كتايوان تفوق في دخلها القومي وتأثيرها التقني دول عظيمة الموارد كالمكسيك. وبالتالي تستطيع الحصول على المظلة الحمائية الدائمة من دولة عظمى كالولايات المتحدة. 

وفائض القوة في هذه الحالة يميل لمصلحة تايبية أكثر من واشنطن، لأن مقدرات الأولى تصب في مصلحة المواطن التايواني وسمعة بلده ومكانته على الخريطة الاقتصادية الدولية، فيما تستنزف مقدرات الثانية في حروب لا تنتهي على حساب أمن المواطن الأميركي ورفاهيته، وسمعة بلده ومكانته.    

السيطرة على الوعي
وبهذه المعايير الجديدة، لم تعد القوى العظمى هي المهيمنة وحدها على الوعي البشري، إلا بمقدار تمكنها من الأدوات الجديدة. ولأن شركات الاتصالات والتواصل، التقنية والمحتوى، في معظمها غربية، فقد واصلت الولايات المتحدة قيادة العالم الجديد. ولكنها لم تعد وحدها. فروسيا والصين بتطبيقاتها الناجحة مثل "تليغرام" و"تيك توك" و"سيغنال"، وقدراتها السيبرانية المتطورة، استطاعت أن تغزو العالم وتواجه المد الغربي الكاسح وتخترق مؤسساته العامة والخاصة بهجمات قرصنة وتجسس، وحملات تأثير في الرأي العام والانتخابات. 

كما صعدت الى المواجهة شركات تقنية واتصالات آسيوية كبرى، مثل "هواوي" الصينية و"سامسونغ" الكورية و "TSMC" التايوانية. وبدأت الصين والهند وروسيا منافسة أميركا على شبكات الأقمار الاصطناعية والاتصالات الفضائية. وهكذا انقسم العالم من جديد الى دول منتجة ومستهلكة، وهذه المرة في مجال الوعي البشري والهيمنة الفكرية.  

موقع العرب
علينا هنا أن نسأل: أين موقع العالم العربي على الخريطة الرقمية للاقتصاد والثقافة والعلوم؟ ما مدى تأثيرنا في اتجاهات الرأي العام ومساحة وعي الإنسان؟ هل ما زلنا نستهلك أكثر مما ننتج؟
كيف سنواكب التحولات الجديدة تعليمياً وعلمياً، ثقافياً ومجتمعياً؟ وكيف سنستفيد منها لمصلحة اقتصادنا ومشاريعنا التنموية وحضورنا الدولي؟ وهل هناك رؤى واستراتجيات مستقبلية، وخطط ومشاريع حالية للحاق بالركب وحماية الثقافة العربية والعقل العربي من الغزو والهيمنة، وتقديمه منتجات ثقافية جذابة ومفيدة وملهمة في سوق الأفكار الكوني؟ 

الاجابات تتفاوت من بلد الى آخر، ومن مجتمع الى آخر. فبعض الحكومات العربية، كالسعودية والإمارات، وضعت رؤى طموحة لقيادة مجتمعاتها الى آفاق تسابق التحولات العالمية، بتخفيض الاعتماد على النفط، وتنويع مصادر الدخل، والتركيز على التعليم والتدريب لمواكبة المرحلة، والاستثمار في المجالات الجديدة كالطاقة المتجددة والنظيفة، والاتصالات الفضائية والصناعات الرقمية والذكاء الاصطناعي. إضافة الى المجالات التقليدية كالخدمات اللوجستية والسياحية والترفيهية. وكنتيجة حققت السعودية المرتبة الثانية، بين أقوى عشرين اقتصاداً عالمياً، في قائمة التنافسية الرقمية، والثانية عالمياً في مؤشر الأمن السيبراني. وتقدمت جامعاتها ومراكز بحوثها على القوائم الدولية وحققت المراكز الأولى عربياً، ووصل مسبار الإمارات الى المريخ وبدأت انتاج الطاقة النووية والشمسية ونافست مطاراتها وموانئها أكبر المطارات العالمية. 

طريق المستقبل  
وفي الضفة المقابلة، حالت الاضطرابات الأمنية والسياسية دون تقدم بعض الدول على مسار الاقتصاد الجديد، او حتى المحافظة على مكتسباتها في المجالات التقليدية الصناعية والزراعية والنفطية والتعدينية والخدماتية. وانتكست أخرى فعادت الى عصور الكهنوتية، وباتت تبيع الوهم وتشتري الخرافة، تكذب العلم وتصدق الغيبيات، تحقر العلماء وتقدس المعممين. 

الطريق الى المستقبل بات جلياً ولم يعد يقبل أنصاف الحلول. فإما أن تحلق الى الفضاءات الجديدة بأجنحة الجيل الجديد، أو تواصل التمسك بما "وجدنا عليه آبائنا"، وتلزم مكانك في قاع حضارات الكون. وعلماء العرب الذين حققوا نجاحات بارزة في المحافل العلمية الاقتصادية والثقافية في الساحات الدولية، يستطيعون في البيئة المناسبة تحقيق مثل ذلك في بلدانهم. ولكن التغيير في هذه الحالة يجب أن يأتي من أعلى. فمسؤولية الحكومات العربية أن تضع رؤى تقدمية وتؤسس لبنى تحتية وتوجه موارد التعليم والتدريب نحو المجالات العلمية والتقنية، وتشجع الاستثمار في الوطني والأجنبي في كل ما يخدم استراتجيات الخطط المستقبلية. 
 
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم