إعلان

الصّورة المنشطرة

المصدر: النهار العربي
أسامة رمضاني  
الرئيس التونسي في شارع الحبيب بورقيبة بوسط تونس. أ ف ب
الرئيس التونسي في شارع الحبيب بورقيبة بوسط تونس. أ ف ب
A+ A-
 
تبدو العلاقة بين تونس والولايات المتحدة في ظاهرها هادئة وبسيطة. دولة عربية صغيرة لم تصطف أبداً مع من تستهويهم مشاكسة أميركا. ولكن العلاقة تخفي في بعض جوانبها واقعاً لا يخلو من دواعي الالتباس أحياناً.

منذ الحركات الاحتجاجية التي أطاحت نظام الرئيس بن علي سنة 2011، حافظت الولايات المتحدة على موقف محايد من النزاعات الداخلية بين الأحزاب والمكوّنات السياسية في تونس. كذلك لم تأل واشنطن جهداً لمساعدة مختلف الحكومات المتعاقبة خلال مرحلة الانتقال الديموقراطي. كان دعمها موجهاً للجهد الأمني والعسكري الرامي لمواجهة الخطر الإرهابي الجاثم داخل البلاد، وعلى الحدود وتقديم المساعدة الاقتصادية على الصعيد الثنائي أو عبر المؤسسات المالية الدولية، في وقت تفاقمت فيه الأزمة المالية وتوسعت تبعاتها الاجتماعية.

لم يشكل الدعم الأميركي في حد ذاته أمراً غير مألوف في العلاقات بين البلدين. فقد حافظت الولايات المتحدة منذ استقلال تونس على استعدادها لتقديم المساعدة للبلاد الصغيرة الناشئة التي ربطت مصيرها "بالعالم الحر" حتى خلال حرب فيتنام. توترت هذه العلاقات خلال السنوات الأخيرة من حكم بن علي، لكن المساعدة العسكرية والاقتصادية لم تنقطع أبداً. الاستعداد نفسه لتقديم العون جسّمته واشنطن بالجسر الجوي الذي أقامته مع بلدان أخرى لمساعدة تونس على مجابهة جائحة كورونا خلال الأشهر الماضية.

كانت مشاعر الرأي العام التونسي تجاه الولايات الأميركية في تونس على الدوام مزيجاً من الإعجاب والمؤاخذات الشديدة. وكانت الصورة الشعبية المنشطرة تجمع بين الانبهار بالتقدم العلمي والتكنولوجي والاحترازات على مواقف واشنطن في الشرق الأوسط، باعتبارها مواقف غير منصفة للفلسطينيين.

هذه الاحترازات التي بقيت تخفت وتقوى بمقدار توتر الأوضاع الإقليمية، شكلت تقليداً سياسياً غذّته لمدة عقود وسنوات مواقف الأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني، وخاصة منها الحركات اليسارية والقومية في معارضتها لسياسات واشنطن الخارجية، وخاصة مساندتها لإسرائيل.

لكنّ بعداً جديداً برز خلال الأسابيع الأخيرة، تمثّل في إقحام بعض الفاعلين السياسيين للولايات المتحدة في السجالات السياسية الداخلية، بشكل لم تشهده الساحة السياسية خلال أي وقت مضى في السنوات الأخيرة.

تجلى ذلك من خلال ردة الفعل ضد زيارتين متتاليتين لوفدين عن البيت الأبيض ومجلس الشيوخ الأميركيين، اعتبرهما البعض تدخلاً في الشأن الداخلي التونسي. تضمّنت ردة الفعل دعوات للمقاطعة والتظاهر في الشارع. وقد كانت مرت فترة طويلة منذ أن شهدت شوارع تونس قبل ذلك تظاهرات ضد زيارة أي مسؤول أميركي للبلاد.

بعض الأطراف السياسية المساندة لقيس سعيد والتي رفضت لقاء الزائرين الأميركيين، توجّست على وجه التحديد من الزيارتين اللتين رأت فيهما نية لتقديم مساندة خفية للإسلاميين، ومحاولة لإثناء الرئيس التونسي عن المضي قدماً في تطبيق الأحكام الاستثنائية التي التجأ إليها في 25 تموز (يوليو)، وخاصة قراره بتجميد أنشطة البرلمان الذي تحتل فيه حركة النهضة أكبر عدد من المقاعد بين مختلف الكتل النيابية.

هذا التوجس المسبق جعل السيناتور كريس مورفي،  عضو مجلس الشيوخ الأميركي، يصرّح عقب لقائه الرئيس سعيد، بأنه لم يأت "ليغلب طرفاً على طرف أو أن يدفع نحو أجندات إصلاحية على حساب أخرى". ولكن كلامه لم يقنع الجميع.

تصرفات الأميركان منذ قرار سعيد في 25 تموز (يوليو) اللجوء للفصل 80 من الدستور، كانت توحي بأنهم بوغتوا بما يحدث في تونس. هناك مسافة جعلتهم لا يتوقعون أن تثور ثائرة التونسيين على تجربة سياسية استمرت منذ 2011 واعتبروها هم رائدة على صعيد الانتقال الديموقراطي، واعتبرها السواد الأعظم من التونسيين مرحلة فاشلة من تاريخهم المعاصر. الموقف الأميركي كان مبنياً بالأساس على التعلق برمزية نجاح التجربة التونسية ضمن موجات "الربيع العربي"، بغضّ النظر عن الأزمات المتتالية التي عاشتها البلاد خلال عقد كامل من الزمن.

زيارات المسؤولين الأميركيين ـ وهي قليلة وقصيرة ـ لا تمكّنهم من جسر البون الذي يفصلهم عن الواقع التونسي، حتى إن كثفوا لقاءاتهم الرسمية وغير الرسمية.

وهي تصطدم أحياناً بجدار سميك، وإن كان غير مرئي، من الاختلافات على صعيد الثقافة السياسية. يبلغ الأمر حدّ انزعاج الزوار الأميركيين من تفاصيل بروتوكولية أثناء اللقاءات الرسمية، وهي تفاصيل يعتبرونها هم عادية، فيما يراها المسؤولون التونسيون صادمة ومساً بهيبة الدولة وبمقام رموزها.

ولكن الاختلاف على صعيد الثقافة السياسية صادم من الطرفين. فمثلما ينزعج الزائر الأميركي من القيود التي قد تفرضها التشريفات الرئاسية، ينزعج التونسيون أيضاً عندما ينشر الزوار الأميركيون تقريباً كل شيء عن فحوى لقاءاتهم الرسمية، أو عندما يلمّح السيناتور الزائر عند عودته إلى واشنطن إلى نيته السعي للتخفيض من المساعدة المخصصة لتونس (اعتباراً لأن السلطات التونسية لم تستجب لطلبه بتعيين رئيس للحكومة سريعاً).

مثل هذه المواقف ذات التبعات الملموسة على العلاقة بين البلدين، تخرج الأمر عن مجرد اختلاف بين الثقافات السياسية. ليس غريباً أن تلجأ المؤسسات الأميركية الفاعلة لصيغ جاهزة تشرّع بها للعقاب والثواب مع الدول الأخرى، وذلك حسب درجة إصغاء هذه الدول لواشنطن ولرغباتها.

هذه الصيغ لا تغيب أبداً عن السياسة الخارجية الأميركية. فهي جزء ثابت من لعبة الأمم التي تدار دفتها من واشنطن، وتؤثر في محرار العلاقة مع الأصدقاء والشركاء والمترددين.

علاقة أميركا بالدول الأخرى علاقة معقدة، ولكن قوانينها معروفة، ومن جملتها أن أميركا لها مصالحها التي ترهن بها مساعدتها للآخرين.

آليات التحرك الأميركية تتضمن التحكم في زر المساعدة الخارجية زيادة ونقصاناً، وكذلك التأثير في قرارات استراتيجية واقتصادية أوسع تشمل عديد الهيئات والمؤسسات الدولية وتفاهمات واشنطن مع حلفائها في العالم.

يفاجأ البعض فقط لما تخرج مسوّغات اللعبة للعلن، وتصبح جزءاً من مكوّنات الصورة المنشطرة للولايات المتحدة في تعاملها مع الكثير من البلدان، وليس فقط تونس.

ولكن رفع أي التباس في العلاقة يبقى قبل كل شيء رهين قدرة هذه البلدان على حل مشكلاتها والتكفل بحاجات شعوبها وتجاوز أزماتها بنفسها. وذلك هو التعريف الوحيد للسيادة عند التعامل مع واشنطن وسائر القوى المؤثرة في العالم. عدا ذلك من الشعارات ما قد يلهب مشاعر الجمهور وقتاً ما، ولكنه لا يسمن ولا يغني من جوع.
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم