إعلان

بين الغضب والحزن... ولا يتعبون

المصدر: النهار العربي
غسان زقطان
غسان زقطان
الأم المعتقلة وابنتها
الأم المعتقلة وابنتها
A+ A-
لم تستطع الأسيرة الفلسطينية خالدة جرار إلقاء النظرة الأخيرة على ابنتها سهى التي توفيت الأسبوع الماضي في منزل العائلة في رام الله، رفضت سلطات الاحتلال منحها تلك الفرصة، رغم حملات الضغط ومطالبات المنظمات الحقوقية والاتصالات الدولية، والاعتصامات أمام سجن عوفر القريب من رام الله، في حملة للمطالبة بإطلاق سراحها.
 
سهى التي ولدت قبل 31 سنة حينما كان والدها غسان جرار في سجون الاحتلال، ورحلت يوم الاثنين الماضي عندما كانت أمها خالدة في سجون الاحتلال نفسه.
 
هذه الأصوات وصلت الى "الكنيست" الإسرائيلية المختبر السريالي الذي يحوّل العنصرية قوانين، والفاشية عقيدة شعبية، وصل الصوت عبر النائب عن "الجبهة الديموقراطية للسلام والمساواة" عوفر كسيف الذي خصص مداخلته في الكنيست لإدانة قرار المنع، مع مقارنة مواربة، ولكنها واضحة، بين نظام الأبارتهيد في جنوب أفريقيا والنظام العنصري في إسرائيل، حين أنهى مداخلته باقتباس من نلسون مانديلا عندما كان في السجن مطلع سبعينات القرن الماضي، بعدما منعه نظام الأبارتهيد من وداع ابنه الذي قضى في حادث:
 
"الأمل سلاح قوي، حتى لو لم يبق شيء غير ذلك، الأمل الذي جعلني أصمد في أفظع اللحظات قسوة، يقيني أنني سليل عائلة تملك تجربة ومعاناة مكنني أن أتغلب على العديد من الصعوبات، هذا اليقين يمنح روحي أجنحة قوية"، تقول رسالة نيلسون مانديلا.
 
كان ذلك الحرمان المضاعف يشبه الاحتلال الذي يتغذى مثل وحش طفيلي شره على وجود الفلسطينيين، ويستثمر كل شيء لإفساد حياتهم، في سلسلة لا نهائية من الإجراءات تشكل شبكة تحيط بحياتهم وتتغذى عليها، من الوقوف على الحواجز، الى الاقتحامات الليلية وحملات الاعتقال وهدم البيوت، والحصار والإبعاد وشبكة "التصاريح" التي تنتهك كل زاوية من حاجاتهم، الى إحراق المحاصيل وإتلاف المواسم الزراعية، الى إطلاق النار على المارة وقطافي الزيتون، والحجارين في مقالع الحجر، والتلاميذ... وصولاً الى منع أم من الحصول على نظرة أخيرة لوجه ابنتها الشابة، هذا هو الاحتلال. ولم يكن يوماً غير ذلك.
 
ينهض الاحتلال من النوم بمخالبه كاملة وكراهية متجددة، تنهض الجرافات و"حرس الحدود" والجيش والشرطة وجماهير الفرق الرياضية وعصابات الفاشيين ومنظمات تزوير عقود البيع، والمستوطنون والمخابرات ومحصلو الضرائب والقضاة والسجانون والصحافة... ويندفعون في حفلة صيد الفلسطينيين المتواصلة منذ تأسيس "الدولة".
 
لا تستطيع إسرائيل إلا أن تكون فاشية، لا يستطيع الاحتلال إلا أن يكون كذلك، لا يتعلق الأمر بـ"خالدة جرار"، "الدولة" نفسها مؤسسة على فكرة تهجير الفلسطينيين أو قتلهم، وتعويم الفكرة تحت نظريات وقوانين ومقولات، وخطاب يتماهى مع الصورة الاستشراقية للعربي في المخيلة الغربية، وشيطنة الفلسطينيين على وجه الخصوص عبر ظلال من العهد القديم.
 
الأسطورة الدينية والاستشراق في خطاب واحد. الديموقراطية لليسار ومشيئة الرب لليمين القومي والمتديّن، هكذا يمكن لكل شريحة في هذا الخليط الاجتماعي أن تحصل على حصتها من الفلسطينيين.
لم يحدث أن فعل الإسرائيليون ذلك، معظم الأسرى، الأحكام الطويلة على وجه الخصوص، كانوا يبدأون يومهم الأول من الحرية بزيارة قبور أعزائهم الذين رحلوا ولم يتمكنوا من انتظارهم، آباء، أمهات، شقيقات وأشقاء، خالدة ستزور بعد شهرين ابنتها في المقبرة الجديدة في رام الله.
 
في رام الله صعدت مجاميع كبيرة من الناس نحو المقبرة الجديدة جنوب شرقي المدينة، تجاوزوا الجانب الخاص بالمسيحيين حيث صلبان كثيرة تنهض فوق الأضرحة، الى الجانب الإسلامي حيث تصعد الفاتحة على الرخام، هناك وضعت منصة أمام الضريح، وألقيت كلمات أمام حشد من الشابات والشبان في معظمه، أصدقاء سهى وصديقاتها، الذين يمكن مشاهدتهم في المسيرات والاحتجاجات في ساحات المدينة وشوارعها، كان يمكن في تلك اللحظات المؤلمة التقاط الإشارات التي خلّفتها مواجهات الأسابيع الماضية مع أجهزة السلطة الأمنية على وجوه هؤلاء الشبان والشابات، وهم يستمعون لخطابات عن "الوحدة الوطنية"، بينما يتنقلون بين الغضب الحقيقي والحزن العميق، ولا يتعبون. 
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم