إعلان

سدّ النهضة... سباق الدبلوماسيّة و"التفجير"

المصدر: النهار العربي
سميح صعب
سميح صعب
سدّ النهضة
سدّ النهضة
A+ A-
دخلت مصر والسودان وإثيوبيا في سباق مع الوقت منذ الآن وحتى تموز (يوليو) المقبل، الموعد الذي حددته أديس أبابا للشروع في الملء الثاني لخزان السد في موسم الأمطار. ولا تزال مواقف الأطراف متباعدة وتغلب عليها لهجة التصعيد، والجميع يقول إن "كل الخيارات على الطاولة"، في تحذير ينطوي على احتمال نشوب نزاع مسلح. 
 
وتنخرط مصر والسودان في أعلى درجة من التنسيق السياسي والعسكري غير المسبوق بين البلدين. وثمة تبادل للزيارات بين المسؤولين الحكوميين والعسكريين، بينما المناورات العسكرية المشتركة باتت تجري دورياً، وآخرها "نسور النيل-2" بين سلاحي الجو المصري والسوداني في قاعدة مروي في شمال السودان قبل أيام.
 
وكانت تلك رسالة لا لبس فيها تظهر استعداد القاهرة والخرطوم للذهاب إلى أبعد مدى في الدفاع عن حقوقهما المائية، إذا بقيت المفاوضات تواجه طريقاً مسدوداً.    
والرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يحذّر من أن بديل الاتفاق سيكون حالة "من عدم الاستقرار" لم تشهدها المنطقة من قبل. والسودان يقول إنه "لا يخشى الحرب" إذا ما وقعت. ورئيس الوزراء الإثيوبي أبيي أحمد يرد بأن إثيوبيا مستعدة لكل الخيارات، وبأنها لن تتراجع عن ملء السد، وأن أقصى ما يمكن أن تقدمه، هو القبول بأن ترسل مصر والسودان مراقبين للإشراف على الملء الثاني للسد. وأديس أبابا لا تني تكرر أنها لا تعترف بما تصر عليه مصر والسودان من "حقوق تاريخية" بالنيل.  
 
ويرفض أبيي أحمد أي تدويل للأزمة ولا يعترف إلا بوساطة الاتحاد الأفريقي، بينما تطالب مصر والسودان بوساطة رباعية تضم إلى الاتحاد الأفريقي، كلاً من الولايات المتحدة والأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي. 
 
وبين الحل "الأفريقي" الذي تطالب به إثيوبيا و"التدويل" الذي تطالب مصر والسودان، تغيب أي مبادرة من القوى الدولية، وخصوصاً من جانب واشنطن التي قالت بلسان الناطق باسم وزارة الخارجية نيد برايس إن إدارة الرئيس الجديد جو بايدن "لا تزال في مرحلة تقويم" للموقف الذي يجب أن تتخذه حيال الأزمة. في حين أن الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب كان قد سعى إلى التقدم باقتراحات، سارعت إثيوبيا إلى رفضها، فما كان منه إلا أن فرض عقوبات على أديس أبابا، وقال بلهجة اليائس من التسوية، إن مصر قد تقدم على "تفجير" السد، إذا ما استمر "التعنّت" الإثيوبي. 
 
وبين تحذير ترامب وتريث بايدن، يمضي الوقت والأطراف تستعد للحرب. والملاحظ أيضاً أن روسيا هي الأخرى، على رغم سعيها إلى دور سياسي وعسكري أوسع في المنطقة عبر القاعدة العسكرية الدائمة التي دشنتها أخيراً في بورتسودان، لا تريد الدخول في وساطة فعلية. وكان وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف واضحاً خلال زيارته للقاهرة الأسبوع الماضي، عندما اكتفى بعرض "مساعدة فنية" لعملية التفاوض، ولم يذهب أبعد من ذلك، لا بل قال إنه يفضل حلاً "أفريقياً" للأزمة ليبدو وكأنه يتناغم أكثر مع الموقف الإثيوبي.   
 
وزاد من تعقيد الأزمة الفشل الذريع الذي مُنيت به وساطة رئيس جمهورية الكونغو الديموقراطية فيلكس تشيسكيدي الذي تتولى بلاده الرئاسة الدورية للاتحاد الأفريقي في أوائل نيسان (أبريل) الجاري. وجرى تصوير هذه الوساطة على أنها قد تكون "الفرصة الأخيرة" لتسوية يجري البحث عنها منذ أكثر من عشرة أعوام من دون جدوى.    
وبعد هذا الفشل، بدأت تعلو نبرة التهديدات من كل الجهات، وباتت الكفة تميل إلى احتمال نشوب مواجهة عسكرية بين مصر والسودان من جهة وإثيوبيا من جهة أخرى. 
وإذا كان الملء الأول لخزان السد العام الماضي، قد مرّ من دون حدوث صدام، فذلك لأن السودان ومصر لم تتأثرا على نحوٍ كبير بالمياه التي حجزتها إثيوبيا على النيل الأزرق، فإن الوضع قد يكون مختلفاً في المرحلة الثانية.
ولذلك، يأتي رفع سقوف المطالب من الدول الثلاث، من دون أن يعني ذلك حتمية قيام مواجهة عسكرية، وإنما مجرد مقدمة للتفاوض على تسوية تقبل بها الدول الثلاث من دون أن تظهر أي منها وكأنها تنازلت عن حق يعادل وجودها. 
 

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم