إعلان

الجزائر... أحزاب معارضة تتخلَى عن شعار تغيير النظام!

المصدر: النهار العربي
أزراج عمر  
أزراج عمر  
الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون
الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون
A+ A-
خلال هذا الأسبوع استقبل الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، ممثلي ستة أحزاب سياسية محسوبة على المعارضة وذلك بعد أيام قليلة من عودته من ألمانيا حيث أجرى عملية جراحية ناجحة في قدمه اليمنى.
 
ويرى مراقبون سياسيون جزائريون أنَ هذه اللقاءات، التي عقدها الرئيس تبون حتى الآن مع هذه التشكيلات الحزبية، قد سوّغتها عوامل عدة منها انتقاداته لبعض أعضاء الحكومة واحتمال إقالتهم عقاباً لهم على فشلهم في أداء مهماتهم بكفاءة، فضلاً عن العامل النفسي المتوّلد عن تفاؤل المواطنين بعدم تكرار سيناريو مرض بوتفليقة المزمن، وذلك جراء انتشار الخبر الذي روّجت له وسائل الإعلام الرسمية بين الأوساط الشعبية عن تعافي الرئيس تبون من مرضه. وثمة عامل ثالث يتمثل في تأكيد الرئيس تبون تمسكه بوعد معالجة الأزمات الاقتصادية والاجتماعية الموروثة عن مرحلة الرئيس بوتفليقة ومحاسبة مرتكبي الجرائم المالية وإجبارهم على إعادة الأموال الطائلة التي نهبوها، إلى خزينة الدولة، والعمل سياسياً بأسلوب إشراك أطياف المعارضة السياسية والمجتمع المدني لترسيخ تقاليد تداول الحكم من خلال إجراء الانتخابات البلدية، والولائية (المحافظات) والبرلمانية في الوقت المحدد لها وبشفافية، وإحداث قطيعة جذرية مع الحكم الفردي والشللي وتحقيق بناء ما يدعى بـ"الجمهورية الجديدة" في الجزائر التي وعد بها المواطنين أثناء حملته الانتخابية الرئاسية.
 
ولكن، هل ستتحقق هذه الوعود حقاً أم أنها ستبقى مجرد طعم للاستهلاك السياسي الموقت؟ علماً أن الدستور الحالي المعدل في عهد الرئيس تبون لم تتجسد فيه الكثير من وعوده، ومنها وعد حذف البنود التي تقصي أبناء الجالية الجزائرية خارج الوطن من الوصول إلى أعلى المناصب في دولتهم الأصلية!
 
في هذا الخصوص بالذات هناك من يعتقد أن أهداف النظام الجزائري الخفية التي تكمن وراء نشر هذه الوعود البراقة وتسوّغ عقد هذه اللقاءات المرتجلة تتلخص في التحايل على فسيفساء المعارضة لإبطال المطلب الأساسي القديم المرفوع أثناء تظاهرات الحراك الشعبي والداعي إلى التغيير الراديكالي لبنية النظام الحاكم. ويعني هذا أن مجرد تبادل وجهات النظر في مثل هذه اللقاءات حول سبل المشاركة في إجراء الانتخابات المذكورة هو نوع من التنويم المغناطيسي للمعارضة.
 
وتفيد التحليلات السياسية الدقيقة بأن النظام الجزائري قد مهد مسبَقاً لعملية استقطاب عدد كبير من أحزاب المعارضة إلى هذه اللقاءات، وذلك بالقيام بجس نبض أطياف المعارضة خلال محادثات سرية أجراها هنا وهناك مع عناصر وممثلي وقيادات أحزاب الموالاة والمعارضة، وقد أوحى لها خلال هذه المحادثات توفر النية لدى هذا النظام الحاكم ليضمن لها حصصها من المقاعد والمناصب مباشرة بعد الانتخابات البلدية والولائية والبرلمانية المقبلة، في أعلى هرم مؤسسات الدولة الكبرى وبخاصة في الغرفة العليا والغرفة السفلى في البرلمان، والحكومة، فضلاً عن المجالس العليا التابعة تنظيمياً وتمويلاً لرئاسة الجمهورية.
 
من الواضح أن أجهزة النظام الجزائري قد استبعدت تكتيكياً حزب "جبهة التحرير الوطني" و"التجمع الوطني الديموقراطي"، المعروفين بولاءيهما المطلق للنظام الجزائري، من هذه اللقاءات الأولى لتحقيق غاية تجعل الرئيس تبون يفوز برضا الرأي العام الوطني بعامة والمعارضة بمختلف تياراتها بخاصة، على أساس أنه قد أصبح في حلّ من الإرث الكلاسيكي الذي تركه وراءه الرئيس السابق عبدالعزيز بوتفليقة ألا وهو تكريسه المستمر لهذين الحزبين المذكورين كصنمين في الحياة السياسية الجزائرية.
 
وفي الواقع، فإن الأحزاب التي شاركت في هذه اللقاءات بقيادة الرئيس تبون ما فتئت تُحسب على المعارضة افتراضياً فقط رغم أن جوهرها هو جزء من النسق الكلي للنظام الجزائري بما في ذلك حزب "القوى الاشتراكية" الذي أصابه الوهن السياسي ولم يعد مثلما كان في السنوات الذهبية من نضاله السياسي كما سنبين لاحقاً.
 
في هذا السياق ينبغي التوضيح أن مسؤولي الأحزاب السياسية الذين استقبلهم الرئيس تبون حتَى الآن لا يشكلون تياراً سياسياً أو عقائدياً موحد العقيدة والموقف والانتماء، بل هم عبارة عن كيانات مختلفة ومتناقضة، فمنهم الإسلامي المؤمن بالخلافة الإسلامية العابرة للوطنية الجزائرية، ومنهم الإسلامي المحلي المرتبط بالفكر الديني الوسطي حيناً والأحادي المغلق حيناً آخر، والليبرالي شبه الرأسمالي، والوطني التقليدي وهلم جرَا.
 
ولتسليط الأضواء الكاشفة بسرعة على توجهات وانتماءات هؤلاء وأحزابهم فإنه ينبغي التذكير هنا باختصار شديد أن رئيس "حركة مجتمع السلم" عبد الرزاق مقري، لم يعارض يوماً ارتماء حزبه في أحضان التحالف الرئاسي التابع للنظام الحاكم والذي شكله الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة، أما رئيس حزب "حركة الاصلاح الوطني" فيلالي غويني، فلم ينخرط في الحياة السياسية الوطنية كمعارض راديكالي للنظام الحاكم وسياساته الرأسمالية الاستغلالية، في حين نجد رئيس حزب "حركة البناء الاسلامي" عبد القادر بن قرينة، قد اصطف إلى جانب النظام الجزائري وكوفئ على ذلك بإسناد منصب رئاسة البرلمان (الغرفة الأولى) الذي يحتله حزبه حتى الآن. أما رئيس حزب "جبهة المستقبل" عبد العزيز بلعيد، فهو إبن منظمة الشبيبة الجزائرية وقائدها سابقاً وهي التنظيم الجماهيري القوي التابع لحزب "جبهة التحرير الوطني". ويتميز رئيس حزب "جيل جديد" جيلالي سوفيان بالانتقال البراغماتي من موقف إلى نقيضه ومن المعارضة إلى الموالاة ويحركه في ذلك هاجس البحث عن موقع في دواليب الحكم.
 
وفي الحقيقة، فإن مشاركة حزب "القوى الاشتراكية"، بقيادة الأمين الوطني الأول يوسف أوشيش وعضو الهيئة الرئاسية، حكيم بلعسل، في هذه اللقاءات يعد انتصاراً أولياً للرئيس تبون وذلك لأن هذا الحزب يُعد أقدم حزب جزائري تأسس بعد الاستقلال بقيادة حسني أيت أحمد أحد الزعماء الكبار لحركة "التحرر الوطني الجزائري"، ولأنه قدم نفسه في الماضي كحزب معارض راديكالي سياسياً وعقائدياً ينتمي إلى الأممية الاشتراكية وإلى الفضاء الجغرافي الأمازيغي (البربري) والوطني معاً ويتمسك بمبدأ المعارضة الراديكالية قبل تورطه في لعبة التنازلات الانتهازية للرئيس بوتفليقة وتشظيه إلى كيانات مجهرية.
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم