إعلان

الكذب؟

المصدر: النهار العربي
سمير قسطنطين
تعبيرية
تعبيرية
A+ A-
"الكِذِب ملح الرجال وعيب علّلي بيصدق"، مثلٌ لبنانيٌ قديم أسمعه منذ أن كُنتُ طفلاً. الكذب هو تغيير الحقيقة، هو صفةٌ غير مستحبّة، لا بل مرفوضة في كلّ مكان. الكلّ معرّضٌ للكذب، الصغير وَالمُسِنّ، الرجل والمرأة، الغنيّ والفقير، والمتعلّم والأمّي. في بعض المرّات، وعندما تتحدّث عن بعض الشعوب، تسمع أحدَهم يقول: "الشعب الفلاني كذّاب". طبعاً هذا تعميمٌ، وكلّ تعميمٍ ظالم.
 
لماذا نكذب؟ الأسباب عديدة. يكذب المرء أحياناً على قاعدة "التفشيخ"، فتسمعُه يتحدّث عن ممتلكاتٍ له وهو في الحقيقة لا يمتلكها، أو أنّه يُفاخرُ ببطولاتٍ وهميّة لم يصنعها. هؤلاء يريدون كسبَ احترام الناس لهم، ولا يجدون وسيلةً لتحقيق ذلك إلّا عبر الكذب. 
 
شخصٌ آخر يكذِب لأنّه خائف مثل الولد الصغير الذي يكذب خوفاً من عقاب الوالدَين له على مخالفته وصيّة أهله. 
 
والزوج يكذب خوفاً من افتضاح أمره أمام زوجته إن هو أخبرها بكلّ الحقيقة، وهذا ما قد يحصل مع الزوجة أيضاً. 
 
ويكذب شخصٌ ما كدليلٍ على عدم ثقتِه بنفسه، فيكون كذبُه لإخفاء ضعفٍ ما أو نقصٍ لا يريد للناس أن يروه فيه.
 
وهناك من يكذِب بهدف اللعب على مشاعر الآخرين، الأمر الذي نسمّيه بالإنكليزية Manipulation. وهذا الأمر شائعٌ بقوّة عند شخصٍ يريد استمالةَ شخصٍ آخر عاطفيّاً. فمثلاً، هو قد يقول لها: "بْحِبّك"، وهو بالفعل لا يحبّها لكنّه يريد إقامة علاقةٍ معها. 
ونحن معرّضون لأن نكذب في بعض المرّات بهدف تشويه صورةِ أحدهم في أذهان الآخرين. ويحدثُ ذلك بسبب الغيرةِ من الشخص الآخر الذي سبقنا إلى قلبِ أحدهم أو إحداهنّ، أو بسبب الحقد والكراهية له. 
 
ونكذب مرّات لكي نبرّرَ ابتعادنا عن أحدهم. فمثلاً وعندما يسألُنا أحدٌ تعوّد لقاءَنا تكراراً عن السبب الذي من أجله لم نعُد نراه، نُجيبُه بأننا مشغولون بأمورٍ كثيرة، أمّا حقيقة الأمر فهي أنّنا الآن لم نعُدْ نرغب في لقائه. 
 
ويكذب المرء تملُّقاً. وهذا يحصل في بلدٍ كلبنان فيه زعاماتٌ يريد الناس منها خدماتٍ معيّنة، فيلجأ الناس للكذب مُكيلين المديح لهذا الزعيم أو ذاك في وقتٍ يكون رأي الناس الحقيقي في الزعيم مختلفاً عما يُقال. 
 
ومن الأسباب الأخرى للكذب: الرغبة في عدم فقدان حقوق محدّدة، والدفاع عن خصوصيّتنا، والحاجة إلى تأجيل سداد الديون، وأيضاً بهدف عدم إيذاء مشاعر الآخرين. فمثلاً، تسألُه زوجتُه في عيد الحب: "بِتْحِبْني"؟ فيجيبها غلى الفور "أكيد، شو هالسؤال"!، لكنّ حُبّه الحقيقي لها ليس بهذا التأكيد. هو خاف أن يجرح مشاعرها. هذه باختصار أهم الأسباب التي تدفع الإنسان إلى الكذب.
 
لكنّ الكذبَ، وهو آفةٌ اجتماعيّة عامّة، علينا أن نُعالجها فرديّاً وليس جماعيّاً. هذه ليست مشكلة وطنيّة لتُعالجها حكومةٌ أو مجلس نوّاب. فكيف إذاً نعوّد أنفسنا قولَ الحقيقة، وبالتالي الخروج من الكذب إلى الصدق؟ هل هناك بالفعل سبيلٌ إلى ذلك؟ سأحاول ألّا أربط الموضوع بالقِيَم الدينيّة لأنّي بذلك أعفي غير المتديّنين أو الملحدين من مسؤوليّة عدم الكذب.
 
علاج الكذب شبه مستحيل في الكِبَر. الموضوع مرتبط بالطفولة، بتربية الأولاد. الصدق يبدأ هناك والكذب يبدأ هناك. لذا لن أتحدّث عن كذب الكبار لأنّ الموضوع يصبح "فالج ما تعالج". الطفولة هي الأساس، والتربية في الصِغَر هي المهمّة. لذا، إذا وجدْتَ ولدَك يكذب، فلا تتجاهل الأمر، والفُت نظره إلى ذلك. راجع علاقتك به. اسأل نفسك: "متى كانت المرّة الأخيرة التي عاقبتُ فيها ولدي لأنّه كان صادقاً معي وأخبرني عن ضعفٍ معيّن يعانيه، أو عن مشلكةٍ ما تورّط فيها"؟ العقابُ، وخصوصاً العقاب البدني، ليس الحلّ. الحديثُ معه حول مضارّ الكذب هو الطريق السليم. إذا اعتذرَ فاقبلْ اعتذارَه، وعلِّمه كيف يصلح كذبه. الانفعال الزائد كردِّ فعلٍ على كذب الطفل غير مُستحَبّ، والتفاهم مع الطفل برفق يبقى أفضل بكثير. ونستطيع هنا أن نُعطي الولد النصح المباشر نحو الإقلاع عن الكذب.
 
لكن الحلّ الاستباقيّ الوقائي أي الـ Preventive يبقى الحلّ الأنسب. فالأهل الذين يمتنعون عن الكذب أمام الأولاد يُغذّون في أولادهم قيمة الصدق. كذلك  يحسن بنا تجنّب التجريح بالألفاظ النابية أو الألقاب السيّئة إن أخفق الولد في أمرٍ ما أو جهدٍ معيّن. فإن ذلك يؤثّر سلباً ويدفعه للّجوء إلى الكذب لكي يصنعَ لنفسه صورةً يريدها الوالدان عنه ويرضاها. وممّا لا شكّ فيه أنّه إذا توافرت للولد عوامل تحقيق حاجاته النفسيّة الطبيعيّة من اطمئنان وحريّة وتقدير وعطف، فإنّ الولدَ لا يشعر بحاجةٍ إلى الكذب. 
 
ونستطيع في المقابل أن نعطي أولادنا أمثلة متكررة عن شخصيّات كاذبة استخدمت الكذب لنيل مرادها ثم فشلت. أقول هذا لأنّ الولد، إذا نشأ على الخداع، فأكبر الظن أن مثل هذا الجوّ سوف يؤثّر سلباً في تكوين الصدق في داخله. ولا بأس أن نعلّم ولدَنا بأن الكذبَ ليس حلًّا لأي شيء، بل يؤدّي به إلى أن تكون أقوالُه وأفعالُه غير مقبولة من الناس في المستقبل، لأنّ الكاذب هو شخص غير محبوب في أعين الناس، كلّ الناس.
وربّما من الضروري أيضاً أن ننتبه إلى نوع الأصدقاء الذين يختارهم ولدي. هل في عائلاتهم كذبٌ و"تفشيخ" وتباهٍ غير مستحبّ؟ 
 
في المقابل، لا بأس أن ندرِّب الولد على فكرة أنّ عدم الكذب لا يعني أن يقول كلَّ ما يعرفُه. في اللغة الإنكليزيّة هناك مثلٌ يقول: Don’t Volunteer Information. فليقُل الولد ما يريد قوله لكن من دون أن يكذب. ويبقى أن أقول إنّه من المهم أن نعرف دوافع الكذب عند الطفل قبل أن يتحوّل كذباً مَرَضياً، لأننا عندئذٍ، سنُضطرّ إلى استشارة الطبيب النفسي المتخصّص لمعرفة كيفيّة التعامل مع مشكلة الكذب عند الأطفال. 
قال أحدهم مرة: "إذا كنت تقول الصدق فأنتَ لستَ مضطرّاً لأن تتذكّر آخر ما قُلتَه".
 



 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم