إعلان

بعد الحُكْم على "المرؤوس" رسلان... متى يحين دور "رئيسه" الأسد؟

المصدر: النهار العربي
فارس خشان
فارس خشان
ضابط المخابرات السوري السابق أنور رسلان
ضابط المخابرات السوري السابق أنور رسلان
A+ A-
عقوبة السجن المؤبّد التي أنزلتها محكمة ألمانية، يوم الخميس الماضي، بحق العقيد السابق في المخابرات العسكرية السورية أنور رسلان لا تسد جوعاً، بل تفتح... الشهية.
 
أنور رسلان ارتكب، كما بيّنت المحكمة العليا الإقليمية في "كوبلنر" في ألمانيا، يوم الخميس الماضي، جرائم ضد الإنسانية امتدت من نيسان (أبريل) ٢٠١١ حتى أيلول(سبتمبر) 2012، وفي فرع واحد من فروع المخابرات العسكرية السورية، وشملت تعذيب أكثر من ٤ آلاف معتقل حيث قتل ٢٧ منهم.
 
وهذا يفيد بأنّ الجرائم المماثلة التي شملت مئات الآلاف على امتداد سوريا ومعتقلاتها التي ما كانت لتتم وتستشري وتتنامى وتتواصل لولا أوامر بشّار الاسد وقيادته ودعم رعاته الإقليميين والدوليين، تنتظر حقها هي الأخرى بالعدالة، لأنّ أنور رسلان، بالنتيجة، وعلى الرغم من فظاعة ما جرى ارتكابه من جرائم أثناء أمرته لمعتقل الخطيب في دمشق التابع للفرع ٢٥١ في المخابرات العسكرية السورية، ليس سوى نموذج صغير منتهٍ من مأساة ضخمة متواصلة.
 
ووضعية رسلان "الوضيعة" في الجرائم ضد الإنسانية في سوريا التي تشمل بين ما تشمله استمرار الاختفاء القسري لأكثر من مائة وثلاثين ألف شخص، ليست استنتاجاً، بل تشكّل العمود الفقري الذي اعتمده الدفاع عن هذا العقيد "المنشق" إذ شدّد، على امتداد المحاكمة، وفي ظلّ عدم نفي التهم المساقة ضده والارتكابات المنسوبة إليه، على أنّه كان مجرّد موظف في نظام أكبر منه، حيث التركيبتان الإدارية والمخابراتية "تبتلعان الجميع"، على اعتبار أنّ "الحرس الجمهوري هو المسؤول عن كلّ ما حصل". 
 
ومن يعرف النظام السوري لا يمكن أن يشك لحظة في صحّة هذه الحجّة التي قدّمها رسلان، حتى ولو أنّها لا تُلغي مسؤوليته الشخصية، لأكثر من سبب جنائي، عن الجرائم الفظيعة التي ارتكبها، مباشرة، أو أشرف على ارتكابها.
 
عندما صدر قرار هذه المحكمة التي استمرت اجراءاتها على مدى مائة وثلاثة أيام، لم يتبادر الى الذهن إلّا سؤال واحد: متى يحين دور رئيس أنور رسلان، بشّار الأسد الذي يزعم أنّه يكافح الارهاب ويحاربه ويتصدّى له ويطالب المجتمع الدولي بـ "تعويمه"؟
 
في واقع الحال، لقد بيّنت محاكمة رسلان بالأدلة للرأي العام العالمي الذي تابعها وتوقّف، مليّاً، عند نتيجتها، أنّ ما يحصل في سوريا، في ظل سلطة بشّار الأسد، أفظع ممّا كان يحصل في المعتقلات النازية، إذ إنّه بالإضافة الى "العبقرية الأسدية" في التعذيب والتنكيل والتجويع والحرق والاغتصاب، جرت الاستعانة بـ "الإبداع النازي" الذي صنع في سوريا، على يد من لجأوا إليها، ما يُسمّى بـ "الكرسي الألماني".
 
وتأسيساً على كل ذلك، فإنّ هذا الحكم القضائي الألماني لم يُعِد الملف السوري الى الوجدان فحسب، بل أعاد، أيضاً التأكيد على أنّ التطبيع مع بشّار الأسد ونظامه، ولو كان ممكناً نظرياً على قاعدة الشراكة في العداء لـ"الإسلام السياسي" والتشجيع على التسوية مع إسرائيل، إلّا أنّه مستحيل عملياً على قاعدة عدم الرغبة في الشراكة الإجرامية التي تحتقر الإنسانية ومقوّماتها ومبادئها، كما قوانين ومعاهدات صونها.
 
وقد أظهر هذا الحكم الذي استهدف عضواً صغيراً في آلة إجرامية ضخمة، أنّ بشّار الأسد ليس رئيساً أخطأ هنا وأصاب هناك، بل هو مجرم لم يعرف العالم، منذ انتهاء أهوال الحرب العالمية الثانية، مثيلاً له.
 
وهذه النوعية من المجرمين، مهما حصّنت نفسها، بفعل موازين القوى المحلية والإقليمية والدولية، من جهة أولى و"التكتيكات السياسية" من جهة ثانية، في وجه الحدود الدنيا لمتسلزمات العدالة، فهي آيلة، عاجلاً أم آجلاً، إلى مزبلة التاريخ.
 
وكل ذلك يعني أنّ المجتمعات الديموقراطية، أيّاً كانت مصالحها، لن تستطيع، في أيّ يوم من الأيّام، التعامل مع بشّار الأسد ونظامه، بعدما توثّقت أكثر وأكثر ارتكاباته ضد الإنسانية، وهي ارتكابات تربط جزائياً الرئيس بالمرؤوس، ولا يعفو عنها مرور الزمن، ولا تمحوها من الوجدان الإنشغالات الأخرى.
 
وكانت مواقف الدول الكبرى من بشّار الأسد ونظامه ثابتة في هذا الإتجاه، قبل صدور الحكم القضائي الألماني، وهي، في ضوء حيثياته، أصبحت أكثر رسوخاً.
 
لا شك أنّ أنور رسلان نال عقوبة مستحقة، لأنّ ما ارتكبه من جرائم ضد الإنسانية، بحق أربعة آلاف معتقل كانت جريمتهم أنّهم تظاهروا سلمياً ضدّ النظام الذي يعمل له وفيه، إلّا أنّ هذه العقوبة تصبح، من دون قيمة مبدئية، إذا لم تتحوّل إلى مفتاح لبوابة سجن مخصّص لبشّار الأسد وأقرب معاونيه، وفق ما تحاول هولاندا القيام به، منذ أشهر عدّة.
 
وهذا التوجّه المطالب بإخضاع هؤلاء للعدالة، لم يعد مطلباً خاصاً بمعارضي بشّار الأسد، بل أصبح شرطاً لا بدّ منه لإحياء سوريا وإنقاذ شعبها وإعادة الإعتبار الى دورها الإقليمي، لأنّ العكس ليس سوى رسالة بوجوب استنساخ المسوخ ليحكموا العالم.
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم