إعلان

"لقاءُ" الضاحية الجنوبية ... هل يعيدُ "العنف الثوري"؟

المصدر: النهار العربي
حسن المصطفى
A+ A-
"من أعطى المعارضة في الخارج الحق في التحدث باسمنا"، يقول لي أحد نزلاء "سجن المباحث العامة" في مدينة الدمام، شرق السعودية، أثناء زيارتي له قبل أكثر من عامين.
 
الصديق الذي نضجت تجربته، وتجاوز سلبيات الماضي، أحترمه لروحه الوطنية، وصراحته، ووضوح آرائه، والتي يقدمها كما هي أمام الجميع. صديقُنا كان يشيرُ إلى مجموعة من الناشطين الذين تسلموا مناصب متقدمة في "منظمة الثورة الإسلامية في الجزيرة العربية"، وتالياً أصبحوا أسماء مهمة في "الحركة الإصلاحية"، التي حُلت تشكيلاتها التنظيمية وبدأت كوادرها بالعودة إلى السعودية عام 1994، وتوقفت عن العمل المناوئ للحكومة.
 
العودة مجدداً للخارج!
جزء من هذه "الحركة" ونتيجة لعوامل عدة، غادر السعودية مجدداً وعاد إلى الخارج، وكان أبرز هذه الأسماء: د. حمزة الحسن، ود. فؤاد إبراهيم، وهما شخصيتان برزتا سياسياً وثقافياً، ولهما العديد من المؤلفات والعلاقات الواسعة مع المثقفين السعوديين، حيث كان خطابهما الجديد محل "احترام" نتيجة مرتكزاته الوطنية، قبل أن يعودا ويصعدا في نبرتهما، ويبتعدان عن التحليل السياسي الهادئ والعقلاني ويتجهان أكثر نحو الشعاراتية والشعبوية.
 
أتذكر قبل أكثر من 14 عاماً، وفي إحدى المساءات كنت مع د. خالد الدخيل ود. تركي الحمد، وكان كلاهما يتحدثان عن دهشتهما من الخطاب الجديد لحمزة الحسن، ويعبران عن أسفهما للغة التصعيدية التي يستخدمها في لقاءاته المتلفزة، متسائلان: أين حمزة الذي نعرفه؟
 
الحسن، كان شخصية محورية في عودة "الحركة الاصلاحية" من منافيها الخارجية إلى المملكة، وشارك في هندسة هذه الرحلة من "الثورة" إلى "الاصلاح"، وكانت تربطه علاقة احترام مع شخصيات وطنية سعودية عدة، من أبرزها نائب رئيس الحرس الوطني المساعد، الشيخ عبد العزيز التويجري.
 
ترأس الحسن تحرير مجلة "الجزيرة العربية"، التي تأسست خلفاً لمجلة "الثورة الإسلامية"، لتعبر عن رؤية جديدة لدى "الجزيريين" من أتباع "الخط الرسالي"، وتحولهم إلى خطاب يروم التركيز على قيم "المواطنة" و"الإصلاح". الحسن ما لبث أن ترك السعودية إلى المملكة المتحدة، بعد علوِ دخان خلافات داخل "البيت الحركي" بين حمزة الحسن و"قدامى المحازبين" من جهة، والشيخ حسن الصفار ود. توفيق السيف وجعفر الشايب ومن يتبنى آراءهم الفكرية من جهة أخرى؛ حيث الصدام بين رؤيتين: رؤية تصر على ضرورة عدم العودة إلى الخارج وأن العمل يجب أن يتم من الداخل وبالتعاون مع النخب الوطنية ومؤسسات الدولة، وكان يتبناها الشيخ حسن الصفار والمقربون منه، وأخرى راديكالية تعتقد أن الاصلاح من الداخل غير ممكن ولا بد من العودة إلى العمل النضالي، تبناها حمزة الحسن وفؤاد إبراهيم، وكانت الأساس الذي تقاطع فيه معهم الشيخ نمر النمر، في خطبه التحريضية ذات السقف المتلفت واللغة الشتائمية الازدرائية، التي وصلت إلى حد الدعوة إلى العصيان والتمرد على نظام الحكم في المملكة وتغييره بالقوة؛ لتنفجر تالياً أحداث ما عرف بـ"الحراك" الذي بلغ ذروته بمشاركة مجموعات إرهابية مسلحة، تزامناً مع "الربيع العربي" العام 2011، وتدخل محافظة القطيف في دوامة من العنف والسلاح المتفلت والعمليات الإرهابية التي راح ضحيتها عدد من المدنيين والعسكريين، ودفع جميع من في القطيف وقراها ثمناً باهظاً، وكان أحد أسباب ذلك، عدم جرأة بعض النخب ورجال الدين على الوقوف في وجه الخطاب الراديكالي للنمر، وخشيتهم من عمليات العنف والانتقام كما حصل مع المهندس نبيه الابراهيم الذي تعرض لإطلاق النار وحرق منزله، أو الشيخ محمد الجيراني الذي قتل بدمٍ بارد، وسواهما!
 
سنواتُ الإرهاب!
لقد كانت سنوات عجاف، سوداء، خصوصاً على المواطنين الكرام في منطقة "العوامية" التي شكلت محطة التقاء لمجاميع من المسلحين والإرهابيين من أكثر من مدينة وقرية، في توليفة اختلط فيها تهريب السلاح بالتحريض السياسي والمذهبي والسطو المسلح وتجارة المخدرات والممنوعات، كانت غالبية أهالي المنطقة رافضين لها، إلا أنهم كانوا "مختطفين" تحت سطوة السلاح وتضليل الإعلام الخارجي، وادعاء أن هؤلاء المسلحين يحمونهم من بطش "داعش" والتكفيريين!
 
ورقة بيد الخارج!
صديقنا نزيلُ "سجن المباحث العامة" بمدينة الدمام، والذي أطلق سراحه بعد أن انقضت محكوميته، كنت في حديث معه حول "لقاء المعارضة في الجزيرة العربية"، الذي عقد في العاصمة اللبنانية بيروت، الأربعاء 12 كانون الثاني (يناير) الجاري؛ حيث تحدث بحرقة قائلاً إن "هذا المؤتمر محطة ... أعتقد أنه سيكون لها تأثيرها"، معتبراً أن رعاية "حزب الله" ومن خلفه إيران للملتقى يمثل "مشكلة حقيقية"، ومستغرباً كيف يقبلُ المشاركون أن يكونوا "أداة في أياديَّ خارجية".
 
الصاحبُ الصريحُ حد المشاكسة أحياناً في نظر البعض، ومن واقع تجربته الشخصية، يقول: "التاريخ شاهد، إلا أنه ليس هنالك من متعظ، حيث عندما كُنا في الخارج شاهدنا كيف باع الإيرانيون الآخرين، وأبرز مثال على ذلك جعفر الشويخات، الذي تم اغتياله وقيل أنه انتحر في السجون السورية، وسواه".
 
سهولة التأزيم!
"التأزيم فعلٌ كل شخص قادر على القيام به، إلا أن فتح الأبواب المغلقة، والبحث عن الحلول، وإنهاء ذيول الأزمات المتراكمة ... القليل من ينهض بهذه المهمة"، مضيفاً أن "المؤتمر الذي انعقد في الضاحية يتوجب أن يثير نقاشاً، وأن يقف الجميع ضد أي محاولة إثارة أزمة جديدة داخل مجتمعنا، لأنه يكفي ما تم دفعه من أثمان، وهذا واجبنا جميعاً، لأننا لسنا في حالة عداء مع دولتنا وحكامنا، فنحن جزء من هذه الدولة"، منهياً حديثه بغصة، عندما قال: "الأمر واضح، ولنقلها بصراحة: الجماعة يستخدمهم "حزب الله"، ومعروف لماذا يستخدمهم؛ أما ما هو دورنا فهو ما يستحق نقاشاً".
 
العنف الثوري!
إن النقطة الأكثر أهمية والتي تستوجب النقاش الذي أشار له الصديق الكريم، هو دور المجتمع وبالتعاون مع مؤسسات الدولة في مواجهة محاولات تأزيم الأجواء الأمنية والسياسية، خصوصاً وأن المشاركين في المؤتمر، أعلنوا عنه بوصفه "لقاء ذو رؤية ثورية إسلامية"، كما جاء في خطاب الشيخ جاسم المحمد علي. كما أن د. فؤاد إبراهيم أشار إلى أن "المطلوب تغيير شامل"، مضيفاً أننا "لا نرى في التغيير الجزئي والتدريجي سبيلاً للنهوض بالواقع السياسي الحالي". فيما عباس الصادق وصف التجمع بأنه "تحالف سياسي بهوية إسلامية ثورية، يعتنق رؤية شاملة حول الواقع السياسي الحالي"!
 
هذا الطرح يعيد الأذهان إلى "المربع الأول"، أي "منظمة الثورة الإسلامية في الجزيرة العربية"، خصوصاً وأن المجتمعين اختاروا اسم "لقاء المعارضة في الجزيرة العربية"، ولم يستخدموا كلمة "السعودية" أو "المملكة" ولا حتى "الحجاز"!
 
تعبير "الجزيرة العربية" ليس مفردة ضمن قاموس الراعي الرسمي للقاء، أي "حزب الله" لبنان؛ فالحزب عادة يستخدم مفردة "الحجاز".
أما تعبير "الجزيرة العربية"، فهو ليس عودة إلى حقبة مجلة "الجزيرة العربية"، والتي كانت مرحلة انتقالية ما بين العمل الثوري والعودة إلى الداخل السعودي؛ وإنما توحي باستدعاء تاريخ لا يود المواطنون السعوديون في القطيف والدمام والخبر والأحساء، أن يعود، عندما كان يتم تجنيد أبنائهم ليكونوا كوادر في "التيار الرسالي" أو "حزب الله الحجاز"، ويلتحقوا بمعسكرات التدريب في طهران والبقاع اللبناني وسواها.
 
من المفارقات، أن المسمى الجديد، يتماهى مع اسم تنظيم "القاعدة في جزيرة العرب"؛ حيث يتحاشى "القاعديون" والآن معهم "اللقائيون" توصيف وطنهم بـ"المملكة العربية السعودية"، كونهما لا يؤمنان بهذا الكيان وكلاهما يعمل على تقويضه وتفكيكه بآليات مختلفة.
 
إن الخشية تكمن في أن يعود "العنف الثوري"، وأن يتم تجنيد مجموعة ولو ضئيلة من الشباب السعودي في معسكرات "حزب الله" و"الحرس الثوري" تحت عناوين جديدة، خصوصا وأن "لقاء" الضاحية الجنوبية كانت خاتمة أحاديثه كلمة لرئيس المجلس التنفيذي لـ"حزب الله"، السيد هاشم صفي الدين، الذي كرر إطلاق التهديدات تجاه نظام الحكم في السعودية.
 
الوطنُ الغائب!
إذاً كان المجتمعون في "لقاء" يدعون أنه تجمعٌ من أجل التغيير الإيجابي في المملكة، وإذا كانت لديهم روح وطنية حقيقية، ويرومون الإصلاح الحقيقي، فلماذا ينعقد مؤتمرهم تحت رعاية "حزب الله" الذي لا يخفي العداء للسعودية، ويعمل على تقديم الدعم العسكري واللوجستي للحوثيين في اليمن!
 
الشتائمية الرخيصة التي طغت في كلمة السياسي اللبناني نجاح واكيم، والتهديدات التي أطلقها الشيخ غازي حنينه، والسيد عمار الحمزي، ما هو محلها ضمن أجندة القائمين على "اللقاء" إذا كان تجمعاً وطنياً لسعوديين يسعون لإصلاح ما يعتبرونه خللاً، فكيف يقبلون أن تشتم دولتهم وتنسبُ لها كل شرورِ المنطقة!
 
محورُ إيران وأذرعها!
كيف يمكن اعتبار هذا التجمع ذو صدقية وهو يتموضع كجزء من "محور إيران" وأدواتها في المنطقة؟
حمزة الخنسا، وفي جريدة "الأخبار" اللبنانية، نشر تقريراً يوم الأربعاء الماضي 12 كانون الثاني (يناير) الجاري، كان عنوانه: "لقاء" يضع الجزيرة العربية في قلب "محور المقاومة".
 
لقد كان عنوان الخنسا معبراً بدقة عن "لقاء"، لا بوصفه حركة إصلاحية تريد التنمية والتحديث في المملكة العربية السعودية، وإنما هي جزء من محور عابر للدول، درةُ تاجه "حزب الله" لبنان، وأذرعه في العراق وسوريا واليمن، والآن السعودية؛ ويأتمر برؤية "الولي الفقيه" آية الله علي خامنئي!
 
رغم أن "لقاء" لم يقدم أي رؤية تستحق التوقف عندها، كما أن حجم التفاعل معه محدود جداً في الداخل السعودي، الذي بات أكثر وعياً وإدراكاً لمخاطر "لعبة الأمم"، حيث السعوديون الشيعة اليوم مواطنون منخرطون في بناء دولتهم وتنميتها، إلا أن "الموضوع يجب أن يؤخذ بجدية من كل الأطراف، بحيث يتحمل الجميع مسؤولياته، قبل أن يقع الفأس في الرأس"، كما يقول صديقيَّ الأثير، لأنه يجب الحفاظ على المكتسبات التي تحققت في السعودية من خلال رؤية 2030، وتطويرها، والبناء عليها، وحمايتها من العبث بها، والتعاون بين الجميع في بناء دولة مدنية قوية آمنة، يعيش فيها المواطنون بكرامة ورفاهية، تحت سقف القانون.
 
إن السعودية ومنطقة الخليج العربي تعيش لحظة تاريخية حساسة وحرجة، ومشاريع "عبثية" كهذه، فاقدة للبصيرة، مؤسسة على الكثير من الخيبات والأوهام والضبابية والأحقاد، والتي تستعيد خطاباً ماضوياً متخشباً، متوسلة الدعم من الذين يتآمرون على المملكة ويشاركون في دعم من يقصفها بالصواريخ والمسيّرات؛ هذه المشاريع يجب أن يكون الجيل الجديد أكثر وعياً بخطورتها على مستقبله، واثرها التدميري على استقراره.
 
السعودية اليوم تسير بخطى واضحة ثابتة نحو مستقبل أكثر تحديثا، واقتصاد متنوع، ومجتمع متعدد، من دون وصاية رجال الدين المتشددين، متخفف من العنف والطائفية، رافض للإرهاب، محاربٍ للفساد المالي والإداري؛ الشعب فيه يداً بيد مع قيادته التي فتحت المجال واسعاً أمام الجيل الجديد ومنحته العديد من الفرص والأمل. ومن أراد المشاركة في عملية الاصلاح التي هي حقيقة يومية، عليه أن ينخرط تحت سقف القانون ومظلة الدولة، لا من خلال التحريض ووضع اليد بيدِ من يقصفُ وطنه بالمفخخات ويستهدف المدنيين والمقدرات الاقتصادية. وليتذكر الجميع المقولة الشهيرة "وطني دائماً على حق"، فـ"بوصلةٌ لا تشيرُ إلى الوطنِ، مشبوهةٌ، حطِمُوها على قَحفِ أصحابها"، مع الاعتذار من مظفر النواب.
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم