إعلان

الحرب الإثيوبية... بين إنقلاب الميدان وتلاشي السياسة

المصدر: النهار العربي
أسعد عبود
أسعد عبود
هاربون من جحيم الحرب الإثيوبية
هاربون من جحيم الحرب الإثيوبية
A+ A-
في غضون أيام فقط، تبادل متمردو "الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي" والجيش الإثيوبي الفدرالي، السيطرة على مدينة لاليبيلا في شمال إثيوبيا والتي تضم موقعاً مدرجاً على قائمة التراث العالمي لمنظمة الـ"أونيسكو". 
لاليبيلا تكاد تلخص حكاية الحرب الأهلية المأساوية التي تدور رحاها منذ أكثر من عام، من دون أن يظهر منتصر واضح في هذا النزاع الذي يتخذ طابع التطاحن بين القوميات التي تتألف منها البلاد، بينما هو في الجوهر صراع على السلطة، مدعوم من قوى دولية.   
 
وعلى نحوٍ دراماتيكي، استولى قبل شهر واحد فقط، "مقاتلو الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي" على مدينتي ديسي وكومبولتشا على طريق سريع رئيسي يؤدي إلى العاصمة أديس أبابا. وسرت أنباء عن وصولهم إلى شوا روبت، على مسافة نحو 220 كيلومتراً فقط شمال شرقي العاصمة. ودفعت المخاوف من زحف المتمردين، دولاً مثل الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا، إلى حضّ مواطنيها على مغادرة إثيوبيا في أقرب وقت، على رغم أن حكومة أبيي أحمد أكدت أن المدينة آمنة.
 
وفجأة، خلع رئيس الوزراء الإثيوبي أبيي أحمد، الحائز جائزة نوبل للسلام لعام 2019، بدلته المدنية وإرتدى زيه العسكري مجدداً، ليعلن أنه قرر الذهاب إلى الخطوط الأمامية لتولي القيادة المباشرة للجيش الفدرالي. وبعد أيام من وصوله إلى الجبهة، أعلنت أديس أبابا أنها دحرت المتمردين من قومية التيغراي عن مدينتي ديسي وكومبولشا الاستراتيجيتين في شمال البلاد بعد أكثر من شهر على إعلان مقاتلي الجبهة المتمردة السيطرة عليهما. وبعثت هذه الأنباء الارتياح لدى المؤيدين للحكومة الفدرالية. لكن أبيي أحمد لم يرتح طويلاً من عناء المعارك، إذ إنه مع الإعلان عن إستيلاء التيغرانيين على مدينة لاليبيلا مجدداً، أعلن بدروه عن عودته إلى الجبهة مجدداً.   
 
وبإزاء التصعيد الميداني والانزياحات في خطوط الجبهات، تلاشت على ما يبدو الوساطات التي قادها الاتحاد الأفريقي والمبعوث الأميركي الخاص جيفري فيلتمان، من أجل التوصل إلى هدنة، كمقدمة لبدء حوار بين الأطراف المتنازعة. ويقتصر دور الأمم المتحدة على إحصاء الخسائر. وقالت المنظمة الدولية، إن النزاع المستمر منذ أكثر من 13 شهراً، جعل 9.4 ملايين شخص في حاجة ماسة إلى مساعدات غذائية في مناطق تيغراي وعفر وأمهرة.  
 
وفي صورة أكثر قتامة، حذر مساعد الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون الإنسانية مارتن غريفيث، من أن النزاع في إثيوبيا اذا تطور الى أعمال عنف طائفية، يمكن أن "يفكك" نسيج المجتمع وأن يؤدي الى نزوح يذكّر بمشاهد الفوضى التي عمت مطار كابول في آب (أغسطس). ومثل هذا السيناريو سيؤدي الى انهيار نظام أُعد بعناية لضمان التماسك القومي بين أكثر من 80 مجموعة عرقية في هذا البلد، الذي يعد نحو 115 مليون نسمة، ويمكن أن يؤدي الى فوضى تتجاوز ما عرفته إثيوبيا في الأشهر الأخيرة.
 
إذن، الحرب الإثيوبية التي تنفتح على مشاهد إنسانية مروعة، يبقى جوهرها نزاعاً على السلطة بين أبيي أحمد و"الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي" التي قادت تحالفاً حكم إثيوبيا بين عامي 1991، تاريخ سقوط الحكم الماركسي، و2018، عندما اندلعت تظاهرات واسعة النطاق احتجاجاً على التردي الاقتصادي، وإنتهت بوصول أبيي أحمد إلى السلطة. 
 
وفي تشرين الثاني (نوفمبر) من العام الماضي، جازف أبيي أحمد بإيصال البلاد إلى السيناريو الدموي، عندما زحف بجيشه لطرد "الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي" من معقلها في شمال إثيوبيا. وما هي إلا أشهر حتى انقلب الميدان لمصلحة المتمردين التيغرانيين، الذين لم يكتفوا بطرد الجيش الفدرالي من إقليمهم، بل واصلوا الهجوم على إقليمي عفر وأورومو، ونسجوا تحالفات مع مجموعات متمردة أخرى مناوئة لأبيي أحمد.    
وها هي إثيوبيا اليوم كلها تتحول إلى أتون مشتعل لا يمكن التنبؤ بمآلاته.


 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم