إعلان

مأزق من فيينا... إلى العراق

المصدر: النهار العربي
سميح صعب
سميح صعب
من الانتخابات العراقية
من الانتخابات العراقية
A+ A-
النزاع على نتائج الانتخابات التشريعية في العراق أثبت أن هذا البلد لا يزال ساحة أولى في المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران، في لحظة تبدو فيها مفاوضات فيينا النووية بين طهران والقوى العالمية في مرحلة دقيقة للغاية. 
 
لقد تقررت الانتخابات العراقية المبكرة وجرى تقديم موعدها بضعة أشهر، في وقت كانت حكومة الرئيس الإيراني السابق حسن روحاني وإدارة الرئيس الأميركي جو بايدن تمهدان لمعاودة مفاوضات فيينا في نيسان (أبريل) الماضي، على أمل إحياء الاتفاق النووي لعام 2015، الذي خرج منه الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب أحادياً عام 2018. 
 
ما بدا تفاؤلاً بقرب إحياء الاتفاق، جرى في ظلاله تقديم موعد الإنتخابات العراقية، كتلبية لأحد المطالب الرئيسية للحراك الشعبي الذي إندلع في الأول من تشرين الأول (أكتوبر) 2019، أملاً في التخلص من طبقة سياسية فاسدة عبر صناديق الاقتراع. أما وقد اختلفت الأمور اليوم بعد التعقيدات التي ظهرت في المفاوضات المتوقفة منذ حزيران (يونيو) الماضي والتي لم يتحدد موعد استئنافها بعد، فإن العراق أول ضحايا تجدد التوتر الأميركي - الإيراني. 
 
وحتى الانتخابات التي لم يشارك فيها الشباب ممن نزلوا إلى الشارع، بدت وكأنها منقوصة ولا تعبر تعبيراً صادقاً عن نبض الغالبية الساحقة من العراقيين. وهذا ما انعكس تدنياً غير مسبوق في نسبة الاقتراع. حدث ذلك، في انعكاس لفقدان الأمل، فكانت المقاطعة.   
 
ومع ذلك، تخضع الانتخابات بنتائجها المعلنة حتى الآن للعوامل السياسية بالدرجة الأولى. والقوى المحسوبة على إيران ترفض التسليم بالواقع الذي أفرزته الانتخابات وتطعن بالنتائج. وهذا ما يعزز فرضية عودة العراق كي يكون الخط المتقدم في الصراع الأميركي-الإيراني. 
 
وفي حال تعقدت مفاوضات فيينا أكثر وسُدت الطرق أمام احتمال العودة إلى اتفاق 2015، لن يكون العراق وحده مركز الصراع بالوكالة، وستمتد التأثيرات إلى سوريا ولبنان واليمن. وسيترتب على ذلك، تراجع في المكتسبات التي حققتها بغداد في الأشهر الأخيرة على صعيد العودة إلى الاضطلاع بدور الوساطة بين الرياض وطهران، وكذلك على محاولات قيام تقارب اقتصادي بين العراق ومصر والأردن، واستعادة بعضٍ من الدور الذي فقدته بغداد في العقود الأخيرة.   
 
لهذا، لا تقف تطورات العراق اليوم أمام مسألة طعن تيار معين في نتائج الانتخابات، وإنما تتعداها إلى دوره الكامل في الإقليم وإلى حقيقة خضوعه مجدداً للتأثيرات الخارجية التي تعصف به منذ الغزو الأميركي عام 2003. وكما كان عامذاك منعطفاً قلب التاريخ العراقي، يواجه العراق اليوم معضلة بالغة الصعوبة. إنها كيفية الخروج من تأثيرات الغزو ومترتباته. وما فقدته الولايات المتحدة في أفغانستان، هل هي قادرة على تعويضه في العراق؟ وإيران التي كانت الرابح الأكبر في المنطقة بعد 2003 وإسقاط صدام حسين، تحاول ألا تخسر هذه المكاسب من القوقاز وآسيا الوسطى إلى المتوسط.
 
إن المعيار للاستقرار في المنطقة يمتد اليوم من العراق إلى سوريا واليمن ولبنان، وهي ساحات متوترة، بفعل الطريق المسدود في فيينا.   
وأوروبا التي كانت المتضررة من الحدث الأفغاني تحاول أن تكسر الجمود. وتفتش عن صيغة تشكل مخرجاً بين المواقف المتشددة. أميركا ومعها إسرائيل تلوحان مجدداً بـ"خيارات أخرى" إذا فشلت الدبلوماسية، بينما إيران تجري مناورات عسكرية تحاكي تعرضها لهجوم من الخارج، وتستعد عسكرياً من حدود إذربيجان إلى الخليج. 
 
لا يمكن قراءة المأزق في نتائج الانتخابات العراقية إلا من ضمن مشهد أوسع تضيق فيه مساحة الدبلوماسية وتتصاعد التهديدات، من دون أن يعني ذلك، أن الوصول إلى حافة الهاوية يعني دائماً السقوط فيها.  
وتبقى مساحة للتراجع قبل فوات الأوان!!!
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم