إعلان

"سرّ" قيادات لبنان في "عصير الحامض"

المصدر: النهار العربي
فارس خشان
فارس خشان
الوزير ريستر في مرفأ بيروت
الوزير ريستر في مرفأ بيروت
A+ A-
وقف وزير التجارة الخارجية الفرنسي فرانك ريستر، على أرض مرفأ بيروت، قبالة الإهراءات التي دمّرها انفجار الرابع من آب (أغسطس) الأخير، ليؤكد أنّ بلاده سوف تعاقب كبار المسؤولين السياسيين، بمنعهم من الدخول اليها.
 
وبعدما كال لهم "ما فيه النصيب" من إهانات تحمل في طيّاتها اتهامات مخجلة، توجّه ريستر الى قصر بعبدا، حيث استقبله رئيس الجمهورية ميشال عون، في حضور كبار معاونيه ومستشاريه.
 
ولم يكد يختفي ظل ريستر، حتى ظهر مسؤول ملف لبنان في الخلية الدبلوماسية في قصر الإليزيه باتريك دوريل، حاملاً معه، العصا التي لوّح بها وزير الخارجية الفرنسي جان ايف لودريان من بروكسيل، بإعلانه أنّ دول الاتحاد الأوروبي اتفقت على وضع نظام قضائي يهدف الى فرض عقوبات على كبار المسؤولين اللبنانيين، قبل نهاية تموز (يوليو) الجاري، إن هم ثابروا على سدّ المسار السياسي الذي يبدأ بتشكيل "حكومة فاعلة".
 
وكان جلياً أنّ كبار المسؤولين اللبنانيين الذين استقبلوا، بالأحضان، هذين الموفدين الفرنسيين، كانوا، في حضرتهم، مثل الحمل الوديع، ومثل التلميذ الذي يمثل أمام اللجنة الفاحصة، ومثل الأسير الذي يقف في حضرة معتقليه.
 
وعلى الرغم من صعوبة هذه المشاهد، في ظل كثرة الخطابات التي ترفع عالياً شأن الكرامات الشخصية والوطنية والسيادية، إلّا أنّه كان لا بد من تقبلّها، طالما أنّها تظهر أنّ القادة اللبنانيين قد تحسّسوا مسؤولياتهم وارتضوا أن يتواضعوا أمام فظاعتها.
ولكن، سرعان ما بانت أوهام القراءة بحسن نية، اذ إنّ هؤلاء المسؤولين أنفسهم عادوا الى معاركهم السياسية، على قاعدة "أنا الحق والحق أنا"، فيما تهافت العاملون لديهم لتوكيد علو مقام هؤلاء المسؤولين على شعبهم المطلوب سحقه.
 
وهكذا ينقلب القبول السمح للإهانات الدولية، الى استشراس ضد المواطنين اللبنانيين، سواء منهم هؤلاء الذين مارسوا حقوقهم، في مراجعة المحكمة الابتدائية في جبل لبنان، بهدف التثبت من أهلية رئيس الجمهورية (86 عاماً) لتولي مقاليد الحكم، بعد ظهور علامات مقلقة عنه وعليه، أم أهالي ضحايا انفجار مرفأ بيروت الذين قصدوا غاضبين منزل وزير الداخلية محمد فهمي الذي منع المحقق العدلي طارق بيطار من استجواب المدير العام للأمن العام اللواء عباس ابراهيم، بصفة مدعى عليه، بعد ظهور قرائن موجبة.
 
إنّ "الحمل الوديع" أمام المبعوثَين الفرنسيَيْن اللذين هددا بالعقوبات وأكثرا من الإهانات، انقلب الى "ذئب كاسر" أمام المواطنين اللبنانيين: المدعي العام الاستئنافي في جبل لبنان غادة عون، المعروف التصاقها بفريق رئيس الجمهورية، ادّعت على طالبي التثبت من أهلية "سيّد القصر"، واعتبرت أنّ ممارستهم هذا الحق القضائي، وفق الأصول المرعية الإجراء، تنم عن إهانة وتتوافر فيها عناصر جرمْي القدح والذم، مطالبة، في إجراء غير مسبوق، بتوقيف مقدّمي هذه العريضة القضائية.
 
أمّا وزير الداخلية محمّد فهمي فقابل غضب أهالي ضحايا انفجار مرفأ بيروت، بغضب شديد، فأمر القوى الأمنية أن تتصدّى لهم، بقوة عنفية، فزاد على جرحى الانفجار جرحى، وراكم على الدموع التي لا تنضب دموعاً، وضاعف التصدّي للعدالة ظلماً.
وكان لا بد من حلّ هذا اللغز اللبناني الذي يتمثّل في مفارقة عجيبة جدّاً، إذ كيف يعقل لمن يتعاطى بهذه النفس السمحة مع الموفدين الدوليين الذين يكثرون من التأنيب والتهديد واللوم والإهانات، أن يظهر هذه النوعية من ضيق الصدر مع مواطنيه الذين يعيشون تحت وطأة الظلم والاستقواء والحرمان والتفقير والجوع والتهجير وتفشي الفساد وانتشار الجرائم وتغيب العدالة؟
 
استعصت الإجابة على العلوم السياسية، فهذه النوعية من الحكام لا يمكن أن تتوافر في أي شكل من أشكال الحكم، وكذلك الأمر على العلوم الاجتماعية وعلى الرياضيات والفيزياء والكيمياء.
وحده علم النفس قدّم إجابة.
 
يأخذك علم النفس في تقييمه للسلوك السلطوي في لبنان، وهو يتخطى الأمثلة المعطاة في هذه المقالة ليشمل سلوك الطبقة السياسية بمجملها، حيث تظهر فنون الكذب والخبث والتدليس بأبشع صورها، (يأخذك) الى النظرية المسمّاة على اسم واضِعَيها: دانينغ-كروجر.
 
وتحمل هذه النظرية اسماً يمكن فهمه أكثر: "الثقة العمياء".
بدأت هذه النظرية بالتبلور، عندما طلبت الشرطة الأميركية من عالمي النفس دافيد دانينغ وجوستن كروجر أن يدرسا حالة رجل جرى اعتقاله، بعد سرقته مصرفين بوجه مكشوف.
في التحقيق معه، أعلن اللص، بثقة كبيرة، أنّ توصل الشرطة الى معرفة هويته أصابته بمفاجأة صاعقة، إذ إنّه كان متخفياً، عندما أقدم على السرقة.
وفي شرحه لهذا التخفّي الذي يثق به ثقة تامة، قال إنّه كان يضع على وجهه عصير "الحامض"، وهذا يعني، وفق ما قاله، أنّ أحداً لم يكن قادراً على رؤيته، لأنّه طبّق المعادلة نفسها التي تجعل، في عالم الجاسوسية، الحبر سريّاً.
 
وتأسيساً على "ثقة" هذا الشخص بقدراته اللصوصية الموهومة، توصل عالما النفس دانينغ وكروجر الى وضع نظرية مفصّلة عن فئة من البشر تقع تحت تأثير "الثقة العمياء" بما تعتبره صحيحاً، وهذا ما يفسّر أنّ كثيراً من الأشخاص الذين هم الأقل كفاءة يقدّمون أنفسهم، وبثقة لا متناهية، على أنّهم الأكثر جدارة.
 
وعليه، فإنّ غالبية القيادات اللبنانية مثلهم مثل هذا اللص الأميركي، يظنون أنّ أحداً لا يمكن ان يرى وجوههم الحقيقية، بعد طليها بـ"عصير الحامض"، ولهذا فهم لا يُحرجون إنْ سرقوا مصارف لبنان كلّها، ومقدرات الدولة بمجملها، وأموال المواطنين "عن بكرة أبيها"، وتسببوا بمجازر بحق شعبهم من صغيره الى كبيره، وانحنوا أمام إهانات المبعوثين الدوليين، وتجبّروا على المواطنين اللبنانيين، واغتالوا قيادات، وحموا مجرمين، وناموا على قرار واستيقظوا على نقيضه.
 
مشكلة اللبنانيين مع هذه النوعية من القيادات السياسية أنّ "الشرطة" تعمل لدى هؤلاء، وهي، إن نقص "حامض الليمون" عند هذه القيادات، سارعت الى توفيره لهم.

 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم