إعلان

فلسطين... ضاقت الأرض ورحبت

المصدر: النهار العربي
غسان زقطان
غسان زقطان
جنديان اسرائيليان يعتقلان طفلا فلسطينيا
جنديان اسرائيليان يعتقلان طفلا فلسطينيا
A+ A-
ضاقت الأرض على الفلسطينيين، ضاقت بما رحبت، ضاقت بالمعنى البسيط للكلمة، البيوت ومساحات الزراعة والكروم البعلية ومناطق الرعي، مسالك المشي وجمع النباتات البرية والنزهات ورحلات المدارس والعائلات... المستوطنون يشهرون أسلحتهم أمام البيوت وتحت النوافذ، ويسرقون المواسم قبل أن يحرقوا الأشجار.
 
وضاقت كاستعارة، كل شيء يتعثر حولهم، السياسة والاقتصاد والعمل، الطرق المرسومة بأقلام الرصاص وألوان الباستيل تتعثر بدورها ولا تصل إلى الأبواب، الأبواب التي فكروا فيها، الأبواب التي تؤدي إلى الحرية والخلاص من الاحتلال والحصار، حيث يمكن للأولاد والبنات أن يذهبوا عبرها للدراسة والفرجة ومصافحة الأيدي التي تلوّح منذ عقود طويلة، الحنين للمصافحة بعد عقود طويلة من التلويح خلف الأسيجة والجدران وقضبان السجون وجلسات المحاكمات.
 
تضيق الأرض، حقول الزراعة التي زحفت عليها المستوطنات "الشرعية"، والبؤر التي ستصبح "شرعية"، مناطق عمل جيش الاحتلال وتدريباته التي لا تنتهي، والتي ستتحول بعد التدريبات إلى بؤر استيطانية ومناطق عسكرية محرّمة، تضيق الطرق وتسيّج الينابيع ويجلس المستوطنون ببنادقهم على تدفق الماء، ويعلق على الدروب المؤدية لها إعلان حظر الدخول على الفلسطينيين كما لو أنها حقول ألغام.
 
الحياة بغاياتها البسيطة الأولية، التنقل والعمل والعلاج والصلاة، تدخل جميعها في نظام "التصاريح" وشبكة ضباط "الإدارة المدنية"، المقصود إدارة الاحتلال لحياة الناس، وتحويل عاديتها إلى جحيم، بحيث تبدو قصيدة محمود درويش "أيها المارون بين الكلمات العابرة"، المحمولة على إيقاعات "أخرجوا" نوعاً من البرنامج، "أخرجوا من كل شيء واخرجوا"، ليس من الأرض ولكن من تفاصيل الحياة وغاياتها الصغيرة.
 
تفكك الثقة بالسلطة الخاصة بهم، الفلسطينيين، وغياب مصداقيتها، المصداقية التي أنهكها الفساد المالي والفشل الإداري والعجز السياسي، وارتجال كل شيء تقريباً، وتحويله لخدمة تحالف المال والسلطة وتشكل شريحة من الأوليغارشية المتوحشة، شريحة تواصل سرقة ما تبقى من فتات الحياة بعد حصة الاحتلال.
 
عزلة المعارضة بأنواعها عن رغبات الشارع، أو معظمها، فصائل وأحزاباً وقوى، واختصار دورها "الوطني" على مباركة "العمليات" الفردية التي يقوم بها شبان بمجهودهم الشخصي، وجدول إرشادات ومطالبات طويلة من الشعب، ودعوات فوقية إلى "مقاومة" الاحتلال والاشتباك معه، ومواجهة المستوطنين، والاحتجاج على سياسات "السلطة" والتكافل لمحاربة الغلاء وسماسرة العمل ودعم الأسرى... بينما هي، القوى، غير قادرة على الوصول إلى صيغة تنهي انقسامها وتوفر الحد الأدنى من التوافق.
 
السلطة بأنواعها، الحاكمة في رام الله وغزة، أو تلك التي ترغب في الحكم ولكنها تعيش ضمن حصص مضمونة، ونوع من التأمينات الاجتماعية والصحية التي تضمن لها البقاء على قيد الحياة، وتتنفس في قاعة الانتظار والظلال الكثيفة للمكاتب صاحبة القرار في هياكل السلطتين، حيث تنمو البرامج في عتمة الملفات. 
 
الإحساس العميق بالتخلي والخذلان العربي، و"أننا وحدنا" من جديد، من دون شقيقات وإخوة. لا أحد سيطرق الباب بيد محبة ولا أحد سيسلك الدروب المؤدية إلينا، الدروب المهجورة التي يغطيها الغبار الآن.
 
العالم بنفاقه الذي كشفته تماماً الحرب الروسية في أوكرانيا، والذي اتضح أنه غير معني بما يحدث هنا، وأن الكثير من التضامن الذي وصل صبيحة اتفاقيات أوسلو، كان المقصود منه تمهيد البلاد للاستيطان وتكريس احتلال هادئ ومثمر.
 
هذه هي البنية التحتية للهبّة التي تشهدها الضفة الغربية والقدس هذه الأيام، والمؤهلة للتحول الى ما هو أشمل من ذلك. هبّة ستعمّق عزلة "السلطة" في رام الله من جهة، وتحاصر من جهة أخرى "الفصائل" في مأزقها، وتجردها من حق الوصاية على الشأن الوطني.
 
الإحساس العميق بالوحدة والخذلان هو أحد الحقول التي يتغذى عليها الفلسطينيون في هبّتهم، ويضيء على ذاكرتهم مطلع الستينات من القرن الماضي عندما كانوا وحدهم كما هم الآن، من دون قيادة وطنية حقيقية، ومن دون دور عربي يدعم قرارهم الوطني ولا يستخدمه، عشية انطلاقة الثورة المعاصرة التي اتكأت على الفكرة نفسها بأننا وحدنا وأن علينا أن نفعل شيئاً.
 
النظام السياسي الذي تكيّف مع اتفاقيات أوسلو يبدو الآن في طريقه إلى التفكك أمام اقتراح شعبي يواصل تشكله بوسائله الخاصة، وهذا يشمل مفهوم السلطة ومفهوم المقاومة.
 
لعل هذا ما يفسّر الهدوء الذي تميز به منفذو عملية تل أبيب وعملية بني براك وعملية الخضيرة، على سبيل المثال، أو المواجهة من مسافة صفر بين الشبان ودوريات الاحتلال في سلوان.
 
المواجهة تنهض على قدميها، تنهض من دون أن تنتظر إشارة، قد تكون درجة أخرى صاعدة، أو قفزة إلى الأمام، ولكنها حركة من رغبة شاملة تتجمع على الأرض من دونهم جميعاً، وحيدة لا تنتظر أحداً، وكثيرة لا تتكئ إلا على كتفيها، ولكنها ستكنس في طريقها وهي تؤسس لحضورها النخبة السياسية العاجزة ومكوّناتها وأوهام أصحاب نظرية الانتظار.

الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم