إعلان

مرونة أردوغان الإقليميّة... ماذا تخفي؟

المصدر: النهار العربي
أسعد عبود
أردوغان
أردوغان
A+ A-
كل الخيارات التي يتخذها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان من الآن فصاعداً، ستكون محكومة باستحقاق واحد ألا وهو الانتخابات التشريعية عام 2023. ووفق استطلاعات الرأي فإن شعبية حزب العدالة والتنمية الحاكم تتراجع تراجعاً مثيراً للقلق على وقع تدهور مستمر في قيمة الليرة وركود اقتصادي فاقمته جائحة كورونا.   
 
ويدرك أردوغان جيداً أن الورقة الاقتصادية هي أخطر تحدٍ يمكن أن يواجهه الحزب الحاكم، وهي التي ستتحكم إلى حدٍ بعيد في تحديد من يحكم تركيا مستقبلاً. وإذا ما كان الحزب قد تمكن من البقاء في السلطة منذ عام 2002 حتى الآن، فإنما كان السبب يعود أساساً إلى الوضع الاقتصادي الجيد الذي شهدته البلاد حتى عام 2015 تقريباً عندما بدأت المتاعب.  
 
وحاول أردوغان بشتى الوسائل في الأعوام الأخيرة اعتماد وصفات مخالفة لكل المعايير العالمية التي تعتمد لبعث الانتعاش في الاقتصاد، وظل يرفض اقتراحات المؤسسات المالية الدولية، لأنها تشتمل على إجراءات قد تفقده تأييد الشارع. ويؤدي انخفاض قيمة العملة التركية، الذي يبلغ نحو 25% منذ بداية العام، إلى ارتفاع الأسعار عبر الاستيراد بالعملة الصعبة، ما أبقى التضخم قرب 12% حتى الآن. 
 
وفي الأعوام الثلاثة الأخيرة، أدت السياسة الخارجية التي اعتمدها أردوغان إلى زيادة عزلة تركيا إقليمياً. إذ إن علاقاته بدول الخليج العربية، باستثناء قطر، ليست جيدة، لا بل يشوبها التوتر، وكذلك الحال مع مصر. وبعد التدخل العسكري في شمال العراق وشمال سوريا، اندفع أردوغان إلى ليبيا، ومن ثم إلى شرق المتوسط، لتتسع تالياً قائمة أعدائه وبينهم هذه المرة دول أعضاء في الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي، مثل اليونان وقبرص وفرنسا.  
 
ووجد أردوغان أن أطماعه الإقليمية وأحلامه باستعادة نفوذ السلطنة العثمانية، لن تعوّضه ما يخسره من شعبية في الداخل نتيجة مغامراته الخارجية. وزاد من سوء الوضع الاقتصادي، لجوء الاتحاد الأوروبي إلى فرض عقوبات تحذيرية على أنقرة، بسبب التنقيب عن الغاز في شرق المتوسط أحادياً ومن دون التنسيق مع قبرص أو اليونان أو مصر، متسلحاً باتفاق مع حكومة الوفاق الوطني الليبية لترسيم الحدود البحرية بين تركيا وليبيا، من دون الالتفات إلى حقوق الدول المعنية في المنطقة.  
 
يضاف إلى ذلك، أن فوز جو بايدن بالرئاسة الأميركية، وضع حداً لفترة السماح التي كان يتمتع بها أردوغان خلال رئاسة دونالد ترامب، الذي كان معجباً بأسلوب الرئيس التركي في الحكم، وظل يرفض حتى الأشهر الأخيرة من ولايته فرض عقوبات على أنقرة، برغم شرائها صواريخ أرض - جو  "إس-400" من روسيا، متحدياً التحذيرات الأميركية والأطلسية في هذا الشأن.  
 
أما مع بايدن، فإن الحسابات بدأت تتغير، لا سيما أن الرئيس الأميركي الجديد لم يتصل حتى الآن بأردوغان، برغم مرور نحو شهرين على دخوله البيت الأبيض، وبرغم أن تركيا تملك ثاني أكبر جيش في حلف شمال الأطلسي. ومن المعروف أن مواقف بايدن خلال حملته الرئاسية لم تكن وديّة حيال الرئيس التركي، ووصفه في إحدى مقابلاته التلفزيونية بـ"المستبد". 
 
وسط هذه المناخات غير المواتية لأردوغان، بدأ الرجل يعيد النظر في أجندته الإقليمية، فكانت خطوات الانفتاح على مصر للمرة الأولى منذ عام 2013، تاريخ إزاحة جماعة "الإخوان المسلمين" من السلطة في مصر إثر احتجاجات شعبية واسعة، وتولي الرئيس عبد الفتاح السيسي مقاليد الحكم.  
 
وكان أردوغان من أكثر المراهنين على المشروع الإخواني في المنطقة، بعد موجات "الربيع العربي" عام 2011. وشكّل سقوط "الإخوان" في مصر انتكاسة كبيرة لأحلامه بالهيمنة على الشرق الأوسط من خلال الإسلام السياسي.  
 
واليوم، يحاول أردوغان فك عزلته الإقليمية، من خلال استئناف الاتصالات الدبلوماسية مع مصر، وتبني خطاب هادئ النّبرة عند الحديث عن دول الخليج العربية.
ويبقى الدافع الأساسي من وراء خطوة مصالحة تركيا مع الإقليم، هو محاولة إنقاذ الوضع الاقتصادي في الداخل، كي لا ينعكس مزيداً من التدهور في شعبية الحزب الحاكم، وذلك على رغم التضييق الذي تمارسه الحكومة على المعارضة وعلى كل من يخالفها الرأي، لتصير تركيا الدولة الأولى في العالم بعدد الصحافيين المسجونين، فضلاً عن حملات تطهير طاولت مئات الآلاف من الموظفين في مختلف القطاعات من القضاء إلى المدرسين، بتهمة الشك بولائهم عقب المحاولة الانقلابية الفاشلة عام 2016. 
 
كذلك، يتجه أردوغان إلى حظر حزب الشعوب الديموقراطي الموالي للأكراد، بتهمة تأييد حزب العمال الكردستاني المحظور. وفعلاً، تم إقصاء عشرات رؤساء البلديات والنواب في البرلمان المنتخبين من مناصبهم، فضلاً عن الاستمرار في سجن زعيم الحزب صلاح الدين ديمرتاش، برغم قرار ملزم من المحكمة الأوروبية بإطلاقه.  

 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم