إعلان

الجولاني يسرق أبوّة الثّورة السّورية في عامها العاشر

المصدر: النهار العربي
عبدالله سليمان علي
راية الثورة من جديد
راية الثورة من جديد
A+ A-
قرّر أبو محمد الجولاني زعيم "هيئة تحرير الشام" (جبهة النصرة سابقاً) أن يرفع علم "الثورة السورية" في تتمة العام العاشر من انطلاقتها. ما كان من المحرّمات والممنوعات وسبباً كافياً للقتال ضد كل من ينادي به، فرداً كان أم فصيلاً، أصبح اليوم مطلباً ملحّاً يسعى الجولاني من خلاله إلى تتويج مسار تحولاته الطويل من مجاهد قاعدي إلى معارض معتدل. وإذ تتزين ساحة "المحراب" وسط مدينة إدلب بلوحة جدارية كبيرة تحمل علم "الاستقلال السوري" بلونه الأخضر ونجومه الثلاثة، تثور تساؤلات كثيرة حول مصير هذه الثورة وهي تتحول اليوم رهينة بين يدي من كانوا ألدّ أعدائها بالأمس القريب.
 
وأعلن في إدلب عن تظاهرة مركزية حاشدة لإحياء الذكرى العاشرة لانطلاق الثورة السورية تحت عنوان "الثورة عهد يتجدّد ونصر مؤكّد"، على أن تقام اليوم   الاثنين الساعة الواحدة ظهراً في ساحة الحرية - السبع بحرات. واستعداداً للحدث بدأت شوارع إدلب تتزين بأعلام الثورة السورية ولافتات تحمل شعاراتها "المرضي عنها" من جانب الجهة الراعية وهي "هيئة تحرير الشام"، لأن رفع العلم لا يعني القبول بكل ما انبثق من هذه الثورة من شعارات وأهداف خلال مسارها السابق.
 
ومنذ سيطرة "جيش الفتح" الذي شكلت "جبهة النصرة" عموده الفقري على مدينة إدلب في ربيع عام 2015، مثّل علم الثورة برمزيّته ودلالاته هاجساً كبيراً عمل الجولاني بكل جهده على التخلص منه ومنعه من الرفرفة في أي منطقة يسيطر عليها. ففي عام 2016 منعت اللجنة الأمنية في "جيش الفتح" تظاهرة للثوار والجيش الحر في مدينة إدلب لأنها كانت ترفع علم الثورة، وطالبت اللجنة بسحب العلم من المتظاهرين "كي لا تكون فتنة". وعام 2018 أقدمت "هيئة تحرير الشام" على حرق علم الثورة في مدينة بنش شمال إدلب بعدما رفعه الأهالي في الساحة العامة، وذلك بعد عام من إجبار "أحرار الشام" على إنزال العلم من أعلى سارية في المدينة نتيجة خلاف مع "هيئة تحرير الشام" في ذلك الحين.
 
وتحوّلت قضية رفع العلم سبباً رئيسياً للاقتتال بين "هيئة تحرير الشام" وبقية الفصائل المسلحة، وشهد عام 2017 بداية هذا الاقتتال بين الهيئة من جهة و"أحرار الشام" من جهة أخرى. وأصبح رفع العلم في أي تظاهرة بمثابة رسالة موجهة إلى الجولاني على أنه مرفوض شعبياً وعليه التخلي عن الهيمنة على إدلب، وهو ما كان يقود الأخير إلى الإيعاز لجهازه الأمني لقمع هذه التظاهرات بوحشية ومن دون أي رحمة.
 
وفي سبيل محو العلم من الوجود، سعى الجولاني أواخر عام 2018 من خلال "حكومة الإنقاذ" إلى اعتماد علم جديد هو خليط من علم الثورة والراية الإسلامية. وتكوّن العلم الجديد من أربعة ألوان هي الأخضر والأبيض والأسود والأحمر ومكتوبة في وسطه عبارة لا إله إلا الله، وذلك في خطوة مشابهة لما فعله الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين عندما أقحم عبار ألله أكبر على العلم العراقي لاستقطاب الإسلاميين في معركته ضد الولايات المتحدة والدول الغربية في تسعينات القرن الماضي. وقد أثار العلم الجديد في حينه استياءً واسعاً في صفوف المعارضين السوريين، وكتب أحمد أبو زيد أن الجولاني في معركته ضد الثورة السورية يسعى إلى تشويه علم الثورة وفرض راية هجينة على إدلب.
 
تسلط هذه الخلفية الضوء على الرمزية التي كان يمثلها علم الثورة في صراع الجولاني مع خصومه في الداخل والخارج، وأنه كان من "الأصنام" التي يسعى الجولاني لتحطيمها استعداداً لفرض نهجه الجديد في المنطقة. وانطلاقاً من ذلك، يمكن تلمس حجم التغيير الذي طرأ على الجولاني وجماعته عندما قرروا رفع علم الثورة السورية احتفاءً بذكراها العاشرة. 
 
ويدل ذلك بوضوح على أن مشكلة الجولاني لم تكن في سعيه إلى رفع الراية الإسلامية أو راية حكومته الإنقاذية، ولم تكن كذلك في مواجهة الرايات الأخرى، بل كانت مشكلته تكمن في إدراكه أن صاحب أي راية أخرى هو منافس له على السلطة والهيمنة، وبالتالي كان هدفه الحقيقي هو القضاء على منافسيه وخصومه، وإن اضطر بعد ذلك إلى رفع الرايات نفسها التي كانوا يحملونها في صراعهم معه ما دام ذلك يحقق له هدفه الأسمى في ترسيخ نفوذه وسلطته.
عليه، لم يكن مستغرباً أن يقرر الجولاني تزيين إدلب بعلم الثورة السورية بعدما أصبح هو الحامل الوحيد لهذا العلم في غياب أي منافسين حقيقيين. 
 
وبعدما كان علم الثورة يمثل في فكر الجولاني القديم "راية عميّة" و"علماً للكفر والإلحاد"، أصبح في فكره الجديد الذي دفعته إلى تبنيه جملة من التحولات الداخلية والخارجية "راية للمرونة والاعتدال" ومنديلاً للتغزل بالغرب والمجتمع الدولي. 
وقد قاد ذلك بعض النشطاء إلى التندر على موقف الجولاني من علم الثورة قائلين إن "علم الثورة أسلم وحسن إسلامه" في سخرية من تهمة الكفر التي كان الجولاني يوجهها لكل من حمل هذا العلم في السابق.
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم