إعلان

"احتلال إيراني" أم وصاية... ماذا عن عصبية "حزب الله" الأهليّة الشيعيّة؟

المصدر: النهار العربي
ابراهيم حيدر
ابراهيم حيدر
تشكيل عسكري لـ"حزب الله"
تشكيل عسكري لـ"حزب الله"
A+ A-
منذ أن بدأ "حزب الله" يقدم من خلال فائض قوته أنه الوحيد القادر على حماية لبنان، خصوصاً بعد العام 2005 تاريخ انسحاب جيش الوصاية السورية من لبنان، وبالرغم من أن حوادث 7 أيار (مايو) 2008 كشفت سلاح الحزب واستخدامه في الداخل اللبناني والتي أدت إلى تسوية الدوحة، لم يطرح أحد تسمية "الاحتلال الإيراني" للبنان، إلا أخيراً عبر إطلاق مجموعة من السياسيين والناشطين "المجلس الوطني لرفع الاحتلال الإيراني عن لبنان". الإعلان عن المجلس يبدو للوهلة الأولى أن مطلقيه سيخوضون معركة مسلحة لرفع الاحتلال، ليتبين أن الهدف يستحضر شعارات سابقة، فبالنسبة إليهم، "لا حلّ للأزمة المالية، الاقتصادية، السياسية، المعيشية وحتى الكيانية للبنان إلا من خلال تحرير الدولة من القيود المفروضة عليها من سلاح "حزب الله" الذي يأتمر بإرادة إيران وينفّذ لصالحها إحتلالاً موصوفاً بكل المعاني".
 
يثير طرح صفة "الاحتلال الإيراني" جدلاً وتساؤلات عما إذا كانت هذه الطريقة في مواجهة "حزب الله" تعطيه دافعاً للتمترس أكثر والهيمنة في إطار الشيعيّة السياسية وعلى البلد أيضاً، ذلك أن الانطلاق من ثابتة وفق ما يورده المجلس الوطني أنه لا يمكن إصلاح أي شيء في لبنان في ظل الاحتلال الإيراني الذي يمثله سلاح "حزب الله" في لبنان، يؤدي إلى استحضار عصبيات هذا المكون واستنفار غرائزه، لا بل يشد عصبه ضمن طائفته، باعتباره في الأساس الناطق الأقوى بمصالح الطائفة الشيعيّة والمهيمن المرتبط بمرجعيته الإيرانية من خلال انتماء الطَرَف إلى المركز.
 
يستقوي "حزب الله" بمرجعيته في سعيه المصلحي الأهلي في لبنان، فما يطلق عليه "الاحتلال الإيراني" فيه شيء من التعمية عن الحالة الأصلية للحزب، إذ لا توجد في لبنان جيوش إيرانية إنما أداة لبنانية تنطق بمصالح اجتماعية طائفية وتستند الى تحالفات داخلية بقدر استقوائه بالخارجي الإيراني، وهذا الاستقواء لا ينفيه الحزب بل يجاهر به بالولاء للولي الفقيه في إيران الذي يدعمه مالياً وعسكرياً، ومن خلاله تحوّله قوة إقليمية ينفذ الأجندة الإيرانية في المنطقة. لكن "حزب الله" هو أيضاً حالة أهلية لبنانية وجزء من النظام السياسي اللبناني، لذا إطلاق صفة الاحتلال عليه لا يعطي المجلس الوطني قدرة على الاستقطاب ومواجهة الهيمنة.
 
وصمُ الاحتلال الإيراني للبنان يضيّع البوصلة في فهم سياسات "الحزب"، ولا يوصل إلى مكان في عملية مواجهته، تماماً كما كان الرهان عشية 2005 على أن انسحاب جيش الوصاية السورية من لبنان سيعيد للبنان سيادته ولا يبقى أي مشكلات في الداخل اللبناني، ليتبين أن المشكلة البنيوية أعمق بكثير من مجرد شعارات ترمى هنا وهناك. وهذه السياسات يتوجه بها "حزب الله" إلى بيئته الأهلية ويعتمدها في الفضاء اللبناني العام وتجاه الأفرقاء من حلفائه والخصوم، وهو يسخّر أوراق قوته للتأثير والنفوذ، انطلاقاً من عنوان المقاومة وسلاحها، ويعبّئ جمهوره ويستنفر عصبياته ويمنع التعرض لها بما تعنيه لمبرر وجوده.
 
والأساس في هذه السياسة ضمان هيمنته داخل الطائفة أولاً وترسيخها واستثمار قوته تحت عنوان مواجهة إسرائيل وفي الصراع الإقليمي من سوريا إلى العراق التزاماً بقرار المرجعية الإيرانية، ثم استثمارها في الداخل لتغيير موازين القوى التي كرّست نوعاً من الهيمنة الشيعيّة في البلد. ومن هذه القوة التي شكلت توازناً مع الاحتلال الإسرائيلي وفرضت انسحابه من الأراضي اللبنانية المحتلة عام 2000، استثمر الحزب عبر بنيته الأهلية والاستقواء الإيراني، في الداخل اللبناني، فبقي يرفع شعار المقاومة بسلاحها مستقلة عن الدولة ما ساهم في تغيير موازين القوى الداخلية. وها هو اليوم من موقع الشيعيّة السياسية المهيمنة وفائض القوة يتحكم بالقرار في البلد، ويقرر في كل الملفات، وينتشر ويتدخل أيضاً في ساحات كثيرة في المنطقة، خصوصاً الساحة السورية التي أخذت الكثير من رصيد "المقاومة".
 
يمكن أن يفسر البعض أن "حزب الله" مارس هيمنة وسطوة داخليتين لحساب إيران تعتبر مرادفة لمعنى الاحتلال، وأيضاً مجاهرة مسؤولين إيرانيين بأنهم تمكنوا من احتلال أربعة عواصم إيرانية، فضلاً عن فرض قراره على البلد، إلا أن صفة "الاحتلال الإيراني" لا تلقى إجماعاً لبنانياً، وهي إذا كانت بهذا المعنى تستدعي مقاومة مسلحة للاحتلال، والمقصود به "حزب الله" ما يؤدي إلى حرب أهلية لا أحد يتمكن من الفوز فيها. حتى الخارج لا يطلق صفة "الاحتلال الإيراني" في لبنان، فيما الدول العربية تصنف "حزب الله" إرهابياً ولا يدخل في قاموس مصطلحاتها وخطابها مصطلح "الاحتلال" الذي يرتب مواقف مختلفة، خصوصاً أن هناك مباحثات تجري حول ملفات عدة بين بعض هذه الدول وإيران.
 
رفع الصوت السيادي في وجه "حزب الله" من مدخل مواجهة الاحتلال الإيراني والتخلص منه، يؤدي إلى تشكل عصبية مواجهة مقابلة، كون الحزب له السطوة داخل الطائفة الشيعيّة اليوم وليس انفكاكها عنه بالمسألة السهلة، حيث يمكنه استثارة عصبيته والقدرة وإعادة التعبئة وتعويض أي خسائر يتعرض لها.
التركيز على صفة "الاحتلال الإيراني"، يُضيع القضية الأصل، فهو سعي سياسي لا يحظى بإجماع أهلي، ولا يمكنه أن يستقطب محلياً وخارجياً للتعامل مع هذه الحالة، إذ لا ينظر الخارج إلى وجود احتلال إيراني للبنان ينبغي التعامل معه وفق ما تقتضيه القوانين الدولية. والأمر يستدعي إعادة تصويب وفهم للسياسات والتعامل مع الحالة الشيعيّة لـ"حزب الله" كإشكالية أهلية أولاً تمكنت من الهيمنة بطرق مختلفة وتستقوي بمرجعيتها الإيرانية ثانياً، والعمل على بناء سياق آخر يمكنه تفكيكها من دون تعريض البلد لكارثة ومزيد من الاصطفاف الأهلي والطائفي.
 
"حزب الله" كطرف لديه فائض قوة وهيمنة مفروضة وقدرة على التحكم بالطائفة الشيعيّة باسم المشروع الخارجي والتمدد في البيئات الطائفية الأخرى، جعله يطمح إلى تكريس مكاسب وواقع جديد في التركيب السياسي في البلد. لكن لبنان في ظل التشابك الأهلي لا يمكن أن يكون بهذا الوجه، وإنْ كانت الهيمنة الشيعيّة قائمة عبر "حزب الله" اليوم ولها حسابات إقليمية، وذلك بعدما وصل إلى ذروة قوته بالدعم الإيراني وكقوة مستقلة عن الدولة بالبنى والمؤسسات والسلاح، وتحوّل قوة إقليمية تدخلت في سوريا والعراق وحتى في اليمن. التسويات يمكن أن تتغير والتوازنات أيضاً، وهذا مرهون ببناء سياق سياسي آخر قادر على الاستقطاب في وجه رهن البلد للخارج.
 
twitter: @ihaidar62
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم