إعلان

لا بأس أن يفوتنا الرّكب أحياناً

المصدر: النهار العربي
العنود المهيري
العنود المهيري
كيم كارداشيان
كيم كارداشيان
A+ A-
من يتسلى مثلي بالضحك على غرائب العالم وعجائبه ربما سيسمع بالدعوى القضائية المزلزلة ضد كيم كارداشيان بسبب ترويجها عملة رقمية مشبوهة، وتحوّلها من إغراء 278 مليون متابع "إنستغرامي" بمؤخرتها إلى إغرائهم بالأرباح. 
 
كيم كارداشيان والعملات الرقمية؟ وفي الجملة نفسها؟ أليس دليلاً الى أننا عالقون في محاكاة من صنع الكمبيوتر، وأن واقعنا ليس حقيقياً؟
ولكن كيف بالضبط انطلت الحيلة على متابعيها؟ كيف لم يشتمّوا رائحة الكذب في وعود الثراء السريع؟ ما الذي شجعهم على الاستثمار في "إيثيريوم ماكس"، بينما من تروّج لها لا تلمّ بالعملات الرقمية أكثر من إلمامي أنا بميكانيكا الكم؟ 
 
الجواب، والمتهم الحقيقي، كان وما زال الخوف.
أعني الخوف من فوات الأشياء، والذي يُختصر باللغة الإنكليزية بـ"فومو". يجعلنا "الفومو" في حالة قلق مستمرة من ألا نواكب ما حولنا، وألا نشهد الحوادث والوقائع جميعها.
 
إنه القلق الذي يدفعك لتلبية الدعوات الاجتماعية بينما تفضّل ملازمة المنزل. إنه القلق من أن تكون آخر من جرب مطعماً رائجاً، أو الوحيد في الشلة الذي لم يقرأ الرواية الأكثر مبيعاً. إنه القلق الذي كان يجعلني أتلقف هاتفي مثل "الزومبي" لأتصفح "تويتر" قبل حتى رفعي رأسي من على الوسادة، وكأني لا أستيقظ حقاً إلا بمعرفة "أطزج" الأخبار، والمواضيع الأشد تداولاً، بل حتى النكات و"الميمز". 
 
"الفومو" يفتك بالإنسان المعاصر، والمحتالون يدركون ذلك. 
إنهم يرون تململنا، وتشتت تركيزنا، بينما نراقب ظاهرة العملات الرقمية، وتكسّب المستفيدين منها، وها هو استبيان يكشف بأن 76% من الشباب الذين وضعوا أموالهم في استثمارات عالية الخطورة كانوا يشعرون بحس التنافس بالفعل مع محيطهم. إن المحتالين يسمعون تأنيبنا أنفسنا على عدم ركوب موجة العملات الرقمية في أسرع وقت ممكن، وتصوّرنا بأننا سنصبح أشد حسرة من "ياهوو" بعدما رفضت شراء "غوغل" بمليون دولار.
 
ولأن "الفومو" عدو مبين، فهو لا يزعجنا بالأسئلة الصعبة عن العملات الرقمية: عن قانونيتها، ومخاطرها، وكيفية تمويلها. ولكم أن تتخيلوا أن 14% من المستثمرين فيها في بريطانيا، مثلاً، يشترونها بدين البطاقات الائتمانية، فلا وقت للادخار في لعبة "روليت" المصائر.
 
هذا الرعب من فوات الأشياء، ورغبتنا في اللحاق بالركب ولو متعلّقين كالقردة، يجعلنا صيداً سهلاً للراغبين في تنفيذ عمليات "سحب البساط"، تماماً مثلما حدث مع حمقى كيم كارداشيان. 
جعلهم الإعلان يتداهسون في طريقهم لشراء "إيثيريوم ماكس"، مدفوعين غالباً بـ"الفومو" المضاعفة، فالملايين غيرهم لاحظوا الإعلان، وربما سبقوهم بالفعل للشراء بسعر أبخس. 
 
ارتفع سعر "إيثيريوم ماكس" 1370%. ولكن ما أن حشا المحتالون جيوبهم وقرروا الفرار، حتى تبين أنه "كان صرحاً من خيال فهوى". انهارت العملة فاقدة 97% من قيمتها السابقة، ولم تتعاف منذ ذلك الحين.
إن كان لا بد من "الفومو" كضريبة للعيش في زمننا المتسارع، فلنحاول، على الأقل، ألا نجمعه بالإفلاس والديون والقضايا المالية. 
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم