إعلان

"فتح"... أمل الفلسطينيين ومأساتهم

المصدر: النهار العربي
غسان زقطان
غسان زقطان
من احتفالات فتح في غزة
من احتفالات فتح في غزة
A+ A-
كان عام 2006 عاماً مثالياً لحركة "حماس" والإسلام السياسي في فلسطين، يستطيع قادة الحركة مواصلة تذكره وروايته في أدبياتهم كنقطة تحول في تاريخ الحركة، نقلت الجماعة الدينية "المعارضة" بسلاحها وأفكارها وأطرها التنظيمية الى كراسي السلطة عبر انتخابات نزيهة وفرتها مظلة اتفاقيات أوسلو. واستطاعت الحركة الحصول على معظم مقاعد المجلس التشريعي ودفع "فتح"، الحركة الرئيسية المنافسة، الى مقاعد المعارضة. واحتفظت "فتح" بالرئاسة، ما خلق رأسين لسلطة تحت السقف المزدوج للاحتلال وأوسلو.
 
ستواصل "حماس" في خطابها الشعبوي "رفضها" الاتفاقية وستواصل الحكومات اليمينية في إسرائيل تفكيكها على الأرض، بينما ستعلق السلطة في بنود الاتفاقية وتواصل تقديمها مرجعية من طرف واحد.
 
كان المشهد في صيف 2006 غريباً وخارج التقليد السياسي الفلسطيني، "فتح" وائتلاف منظمة التحرير الذي تقوده وجد نفسه محشوراً تماماً في مقاعد المعارضة، "فتح" التي لم تمتلك خبرة المعارضة بدت مصدومة تماماً في المقعد الثاني، وغير قادرة على التكيف مع الموقع الجديد، فيما أُخذت "حماس" بانتصارها الذي فاق توقعاتها وذهبت نحو محاولة الاستيلاء على كل شيء، ودفع خصومها أبعد نحو الحائط.
 
لا "حماس" تمتلك خبرة المنتصر ولا "فتح" تمتلك دروس الهزيمة، وبينهما تسلق مستقلون وممثلون قلائل لليسار الذي تعمق مأزقه وظهر ضعيفاً وخارج الحسابات، بينما لم يتمكن "الطريق الثالث" من تحقيق المفاجأة.
سيحدث الانقلاب في غزة بعد شهور طويلة من المواجهات الدموية، وستتمكن "حماس"، كما كان متوقعاً، من "حسم" الصراع في غزة والانفصال بها عن الضفة. 
 
أنجز رئيس وزراء إسرائيل في حينه أرئيل شارون خطته في صناعة بيئة المواجهة الداخلية الفلسطينية عبر الانسحاب من قطاع غزة، بما فيها إخلاء المستوطنات، من طرف واحد ومن دون العودة الى السلطة الفلسطينية أو التنسيق معها - وتستطيع "حماس" الآن أن تقدم ذلك على أنه "انتصار" لخط المقاومة الذي تبنته - ممهداً الطريق أمام حرب أهلية فلسطينية بعدما تأكد من أنها ستحسم لمصلحة الإخوان المسلمين، وستضيف الى جسد منظمة التحرير المنهك المزيد من الضربات.
 
كانت عملية انسحاب قوات الاحتلال وإخلاء المستوطنات والمشاهد التي رافقتها أدوات كمين سياسي معقد ستتضح نتائجه عبر سيطرة "حماس" على قطاع غزة حيث يسهل حصارها، ودفع السلطة الضعيفة نحو الضفة الغربية حيث تدور المواجهة الحقيقية مع مشروع الضم وذراعيه الاستيطان والجدار.
 
الناخب الفلسطيني الذي اكتسب عام 2006 حق الانتخاب بعد بلوغه الثامنة عشرة سيذهب الى الصندوق في صيف 2021، في حال أنه ما زال مؤمناً بالعملية الديموقراطية، وهو في العقد الرابع من عمره. سيبدو مختلفاً من دون شك، مثقلاً بمسؤوليات لم يكن يفكر بها، سيذهب بأحلام أقل وهموم أكثر.
وسيبدو هامش الأسباب المعيشية، الخبز والعمل، أوسع وأكثر إلحاحاً.
 
خلال هذه السنوات تغيّر كل شيء تقريباً، ليس الناخب فقط، على الأرض تضاعف الاستيطان وتضاعفت أعداد المستوطنين وتوضحت فاشيتهم، وامتدت شبكات الطرق الالتفافية على معظم مناطق الضفة الغربية، بينما تفاقمت أزمات السلطة ونبت الفساد والتسلط وعدم الكفاءة في معظم إداراتها، وازدادت عزلة القدس وتعمّق غيابها. في غزة تحوّل الحصار جزءاً من الحياة اليومية للناس، ليس ثمة اقتصاد أو برامج اجتماعية أو حقوق، إضافة الى التسلط والارتجال وسوء الإدارة والتخطيط الذي تدير فيه "حماس" شؤون الناس.

الثابت الوحيد الذي واصل حضوره هو "الوجوه القديمة" والأسماء المكررة" و"البلاغة الشعبوية".

خلال هذه الفترة انتقلت فكرة "الانتخابات" من أداة شعبية ديموقراطية لإحداث التغيير وتطوير الأداء، ووسيلة شعبية للمحاسبة والاختيار، الى ما يشبه "الغاية" المجردة من دلالاتها، لقد تم جرّها من جدول المطالب الشعبية، الى حاجة "الفصائل" ورغبة "الأمناء العامين" والأحزاب في استعادة دورهم وترميم حضورهم وتجديد شرعيتهم.
 
قبل ستة أشهر، تقريباً، من "الانتخابات" التشريعية لا يبدو أن هناك استراتيجية وطنية واضحة لدى السلطة الفلسطينية لطرحها ضمن رؤيتها للمرحلة المقبلة في المنطقة والعالم، استراتيجية يمكن من خلالها التصرف أمام المتغيرات التي ستنشأ إثر نهاية حقبة ترامب ووصول بايدن وفريقه الى البيت الأبيض، إذ يقتصر الأمر لدى قيادة السلطة على النيات المبهمة للرئيس الأميركي الجديد وفريقه الذي اكتمل تقريباً، بحيث تتحول هذه النيات الغامضة الى ما يشبه برنامجاً للسلطة ومؤشراً الى تحركها.
 
ولا تبدو حركة "فتح" جاهزة لخوض انتخابات تشريعية ورئاسية في مواجهة "الإخوان المسلمين" في واقع الانقسامات التي تعيشها، وفي ظل غياب القيادة القادرة على توحيدها، والافتقار الى إرادة الوحدة بين صفوفها، وصراعات الأجنحة والورثة. 
هذا ليس استنتاجاً شخصياً، غياب الاستراتيجية، بقدر ما هو سؤال تطرحه جهات نافذة ومطلعة في "فتح" نفسها. (يمكن العودة الى مقالة لعضو اللجنة المركزية لفتح د. ناصر القدوة نشرت الأسبوع الماضي في صحيفة "الأيام" التي تصدر في رام الله، وأشار فيها بوضوح الى غياب مثل هذه الاستراتيجية).
 
 سيكون من الصعب تجاوز الواقع الممزق والنهوض بالأداء السياسي الفلسطيني من دون دور فاعل لحركة "فتح"، وسيكون من الصعب تغيير هذا الواقع في ظل أوضاع "فتح" كما هي الآن، تلك هي المفارقة التي تجعل من فتح أمل الفلسطينيين ومأساتهم معاً. 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم