إعلان

لبنان واقتصاد الباب الخلفي

المصدر: النهار العربي
د.مكرم رباح
د.مكرم رباح
تعبيرية
تعبيرية
A+ A-
 
لا يزال العالم بأسره يحاول الخروج من كابوس جائحة كورونا الشبيه بأفلام الرعب التي كانت تحتلّ صالات السينما بعروض متواصلة خلال القرن الماضي. هذه الجائحة التي خلّفت وراءها آثاراً صحية خطيرة مع تجاوز عدد ضحاياها المليوني شخص حول العالم، والوفيات في تزايد يومي.
 
لكن التداعيات الأكثر خطورة وعمقاً لكورونا تكمن في الدمار النفسي والاقتصادي الذي ألحقته بالبشر. فمنهم من أصبحوا أسرى منازلهم ومنهم من خسروا وظائفهم ومصدر رزقهم بعدما دخلت بلدانهم إغلاقاً تامّاً دمّر اقتصاد بعضها الهش أصلاً على غرار اقتصاد لبنان.

مقارنة بالدول الشبيهة به، نجح لبنان، بعناية إلهية ربما، في تفادي النموذج الإيطالي، وتمكن من تمرير سنة 2020 بتسجيل نسب بسيطة في الإصابات والوفيات، بعدما أُغلق لفترات متفاوتة سمحت للقطاع الصحي المتآكل أصلاً بإضافة أسرّة في أقسام العناية الفائقة.

العناية الإلهية التي أحاطت بلبنان ما لبثت أن تلاشت مع عودة الحياة إلى طبيعتها بعدما ارتأت الدولة اللبنانية، المخطوفة أصلاً بسلاح "حزب الله" وفساد الطبقة السياسية، إعادة فتح البلد على غرار دول أخرى متطورة كالولايات المتحدة ومدينة دبي. لكن الوضع الوبائي ما لبث أن انفجر بوجه اللبنانيين نتيجة مخالفتهم القوانين برمّتها من ناحية، وتراخي الجهات المختصة في تطبيق الإجراءات الاحترازية، من ناحية أخرى.

ففي موسم أعياد نهاية العام الماضي، قام لبنانيون بإجراء فحص كورونا على أنه لقاح يمكنهم، بنتيجته السلبية، من تنظيم حفلات منزلية عارمة أو حضور سهرات غنائية راقصة في الفنادق والمطاعم. وقد أسفر الاختلاط العشوائي عن تزايد إصابات كورونا لتصل إلى خمسة آلاف حالة في اليوم الواحد، ما يعتبر رقماً مهولاً مقارنة بعدد السكان الضئيل نسبياً.

تدهور الوضع الوبائي دفع بالسلطة السياسية إلى الدخول في إغلاق تام ما لبث أن تحوّل حالة طوارئ ومنعاً للتجوال لفترة اثني عشر يوماً في محاولة للسيطرة على الجائحة. ما يثير القلق هنا هو طريقة تعاطي المجتمع اللبناني بأسره مع التدابير المفروضة عليه، علماً أن قسماً كبيراً منها غير منطقي بل فارغ أحياناً، ولا يأتي سوى من سلطة مفلسة تحاول تسخير الموت لإخافة اللبنانيين ومنعهم من الوقوف بوجه فسادها.
 
ففي ظل الإغلاق التام، اتجه اللبناني مثلاً نحو "اقتصاد الباب الخلفي"، إذ عَلّقت معظم المحال التجارية المغلقة على أبوابها غير المقفلة تماماً أرقام هواتف وعبارات ترشد الزبائن في "حالات الضرورة" إلى الباب الخلفي الذي عادة ما يُستخدم لتحميل البضائع أو استلامها، في التفاف على الإغلاق يُعدّ الطريقة الوحيدة المتاحة للشعب اللبناني للإبقاء على اقتصاده بعدما دمّرت الطغمة الحاكمة النموذج الاقتصادي الليبرالي السيئ وجعلت اقتصاد ميليشيات إيران المبنية على الكبتاغون والتهريب وتبييض الأموال هو السائد.
 
اقتصاد الباب الخلفي هو خطوة إضافية قام بها اللبناني لمجاراة الأمر الواقع، وبدل أن يواجه غباء الطبقة الحاكمة وخبثها، اتجه إلى حيل لن تسمن ولن تغني من سقوط كبير وجوع قد يساعده شبح كورونا في زيادة المعاناة. مرونة الشعب اللبناني وقدرته على التأقلم لم تعودا نعمة بل باتتا نقمة أدت إلى سقوط النموذج اللبناني الذي يرفض البعض إعلان وفاته.

اقتصاد ميشال شيحا وهنري فرعون واقتصاد الكبتاغون لن يبنيا وطناً، تماماً، كما هو حال اقتصاد الباب الخلفي والحلول والأطروحات "الهرطوقية" للشعب اللبناني. صحيح أن فيروس كورونا يقتل، لكن وباء التقاعس ورفض مواجهة سلاح الفساد واللا شرعية يقضي أيضاً على حياة اللبنانيين ويحوّل لُبنانهم كلّه إلى باب خلفي.
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم