إعلان

أوروبا وأميركا لأردوغان: إلزم حدودك

المصدر: النهار العربي
أسعد عبود
سفينة التنقيب التركية في شرق المتوسط
سفينة التنقيب التركية في شرق المتوسط
A+ A-
 بينما كان قادة الاتحاد الأوروبي في قمتهم التي عقدوها في بروكسل، الخميس، يبحثون في فرض عقوبات على تركيا، كان الرئيس التركي رجب طيب أردوغان يشارك في "يوم النصر" الذي أقامته جمهورية أذربيجان السوفياتية السابقة في مناسبة كسبها حرب الأسابيع الستة ضد أرمينيا. 
 
ربما لا ترابط مباشراً بين الحدثين: العقوبات الأوروبية وحضور أردوغان إلى باكو. لكن الأوروبيين فكروا بالعقوبات وسيلة لكبح جماح الرئيس التركي ووقف "عدوانيته" في شرق المتوسط وفي ليبيا وشمال سوريا. 
 
تمادى أردوغان في الأعوام الأخيرة في مشاريعه التوسعية التي حاول من خلالها إعادة رسم حدود تركيا كما كانت عليه قبل مئة عام ونيف. وأفصح مراراً وتكراراً عمّا يعتبره ظلماً وغبناً لحقا بتركيا، عندما قررت القوى العظمى في معاهدة سيفر عام 1923، رسم الحدود التركية الحالية وإرغام تركيا على التنازل عن الأراضي التي كانت تحكمها السلطنة العثمانية، قبل الحرب العالمية الأولى. 
 
وعندما وجد أردوغان أن الظروف الدولية الإقليمية والدولية تصبّ في مصلحة أطماعه، لا سيما بعد الحروب التي دمّرت العراق وسوريا منذ مطلع الألفية الثالثة وإلى اليوم، شرع في تنفيذ خطّته، فدخل إلى شمال سوريا وتوغّل في شمال العراق بذريعة مطاردة "حزب العمال الكردستاني"، بينما هدفه الحقيقي منع قيام دولة كردية بمحاذاة الحدود التركية، وضم أراضِ من العراق وسوريا، ظلت تركيا تعتبرهما جزءاً من السلطنة. 
 
وفي الوقت نفسه، وقف الغرب موقف المتفرج على أردوغان وهو يحتل شمال سوريا ويقدم الدعم لأحزاب سورية معارضة، وبينها فصائل جهادية، على أمل إسقاط النظام في سوريا وتكرار التجربة الليبية.
 
ولكن عندما بدأت طموحات أردوغان تتباين مع أجندات الغرب في سوريا، برز التباين بين الجانبين، وأخذ الخلاف يحتدم مع ذهاب أردوغان إلى ليبيا بمرتزقة من المعارضة السورية وطائرات تركية مسيرة ودعم بالأسلحة والمستشارين، ما جعل موازين القوى تميل لمصلحة حكومة الوفاق الوطني التي وجدت نفسها تحت الهيمنة التركية بالكامل، فكانت معاهدة ترسيم الحدود البحرية بين حكومة الوفاق وأنقرة. ووضعت هذه المعاهدة مساحات واسعة من مياه شرق المتوسط تحت السيادة التركية. 
 
هنا، جُنّ جنون قبرص واليونان اللتين رأتا في معاهدة الترسيم افتئاتاً على حقوقهما. وساندت مصر، نيقوسيا وأثينا في مسعاهما لرسم خط أحمر أمام الطموحات التركية في شرق المتوسط وفي ليبيا. وتحرّكت فرنسا التي استفزها التدخل التركي السافر في ليبيا، للوقوف إلى جانب اليونان وقبرص ومصر. 
 
إن سلوك أردوغان حيال أوروبا، منذ أن أيقن أن أبواب الاتحاد الأوروبي موصدة في وجه عضوية أنقرة، اتسم بالابتزاز. وليس أدل على ذلك من الطريقة التي تعاطت بها تركيا في قضية اللاجئين السوريين، إذ كانت الحكومة التركية تدفع بأفواج منهم نحو أوروبا عبر اليونان، كلما أراد أردوغان ابتزاز الدول الأوروبية مالياً. 
 
ولا يزال أردوغان حتى اليوم يتّهم الاتحاد الأوروبي بعدم الوفاء بتعهداته المالية في مقابل امتناع أنقرة عن السماح للاجئين، من سوريين وغير سوريين، بالتوجه غرباً، علماً أن الاتحاد دفع مليارات الدولارات لتركيا لمساعدتها على تحمل أعباء اللجوء الى أراضيها. 
 
لم يكتف أردوغان بإرسال سفن التنقيب عن النفط إلى شرق المتوسط، بل إنه زار الشهر الماضي شمال قبرص الذي تحتله تركيا منذ عام 1974، وأقدم على خطوة استفزازية أخرى عندما تفقد منتجع فاروشا المقفل منذ الحرب عقب تهجير سكانه من القبارصة اليونانيين. وإمعاناً في التصعيد، أعلن عن خطط لإعادة استثمار المنتجع خلافاً لإرادة سكانه المهجرين واعتراض الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي. 
 
وزاد التدخل التركي في الحرب الأذرية - الأرمينية، من توجس الغرب، ولا سيما فرنسا، بينما كان الخطاب التركي يتصاعد ضد أرمينيا، ما أيقظ ذاكرة تاريخية عن حقبة سوداء يوم ارتكبت السلطنة العثمانية مجازر بحق الأرمن إبان الحرب العالمية الأولى.
 
وفي ظل تجاهل أردوغان كل نداءات الاتحاد الأوروبي من أجل تخفيف حدة التوتر في شرق المتوسط، قرر الاتحاد في قمته الأخيرة، فرض عقوبات محدودة على تركيا، رسالة تحذير كي ترتدع عن التمادي في "عدوانتيها" في شرق المتوسط وليبيا. 
 
ولم يستفز أردوغان أوروبا فقط، بل استفز الولايات المتحدة أيضاً بشرائه منظومة صواريخ "إس-400" من روسيا، برغم التحذيرات الأميركية من إدخال سلاح روسي إلى دولة عضو في حلف شمال الأطلسي. واضطرت إدارة الرئيس دونالد ترامب تحت ضغط من الكونغرس إلى فرض عقوبات على تركيا الجمعة. 
 
وبرغم تحذيرات أردوغان من الأثر السلبي الذي ستتركه العقوبات الأميركية على العلاقات التاريخية بين أنقرة وواشنطن، فإنه لم يكن في إمكان الولايات المتحدة تجاهل الخطوة التركية. 
 
ومما لا شك فيه أن العقوبات الأوروبية والأميركية، ستترك أثراً سيئاً في الاقتصاد التركي الذي يعاني أصلاً من حال ركود بينما فقدت الليرة الكثير من قيمتها أمام الدولار. 
 
ويعود جزء أساسي من خطاب أردوغان الشعبوي وسياسته التوسعية في الخارج إلى محاولته صرف أنظار الأتراك عن تردي الاقتصاد، بسبب سوء الأداء الحكومي، فضلاً عن تداعيات فيروس كورونا المستجد.   
فهل تكون العقوبات الأوروبية والأميركية برغم محدوديتها، رسالة التحذير الأولى من الغرب الى أردوغان، أن الزم حدودوك؟
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم