إعلان

فرنسا تنتظر بايدن لتحريك العلاقات مع إيران من لبنان

المصدر: النهار العربي
علي حمادة
علي حمادة
موفد الرئيس الفرنسي باتريك دوريل مع رئيس كتلة نواب "حزب الله" محمد رعد
موفد الرئيس الفرنسي باتريك دوريل مع رئيس كتلة نواب "حزب الله" محمد رعد
A+ A-
ليس خافيا على المراقب ان فرنسا كانت عارضت بشدة قرار الرئيس الأميركي المنتهية ولايته بعد شهر من الآن دونالد ترامب الخروج من الاتفاق النووي مع ايران. كما عارضت بشدة إعادة تفعيل الإدارة الأميركية نظام عقوبات مشددة على ايران و حاولت مع شريكاتها في مجموعة ٤+١ التي لم تنضم الى موقف الولايات المتحدة ان تبحث عن سبل ووسائل للالتفاف على العقوبات الأميركية، معتبرة ان المبررات الأميركية التي سيقت من اجل الخروج من الاتفاق ما كانت كافية لنسف احد اهم الاتفاقات مع ايران التي ضمنت، بحسب قناعة مجموعة ٤+١، عدم استحواذ طهران على القنبلة النووية.
 
وذهبت باريس مع شركائها الأوروبيين، خصوصا المانيا وبريطانيا، الى حد محاولة خلق نظام تبادل مالي أوروبي مع ايران لتجاوز نظام العملة الأميركية السائد، لكنها فشلت في منع كبريات الشركات الأوروبية التي كانت اطلقت مباشرة بعد توقيع الاتفاق النووي في تموز ( يوليو) ٢٠١٥ حزمة استثمارات اقتصادية و مالية كبيرة في ايران، من الانسحاب من السوق الايرانية، اذ تعاقبت الشركات و المصارف الأوروبية على الانسحاب الواحدة تلو الأخرى، خوفا من تعرضها لعقوبات أميركية قدرت انها ستكون اكثر ضررا عليها من خسارة السوق الإيرانية الصغيرة مقارنة بالسوق الأميركية، و بنظام الدولار الأميركي العالمي الذي يسود القطاع المصرفي في العالم.
 
حاولت فرنسا ان تقف في وجه المارد الأميركي المندفع لمحاصرة ايران بسياسة "الضغط الأقصى" من دون ان تنجح في إيجاد منفذ لها، او استثناء تعبر منه للبقاء في السوق الإيرانية، او للإبقاء على اتزان القيادة الإيرانية في مواجهة "الثور" الأميركي الهائج الذي ما استطاع لا الأوروبيون، و لا الروس، و لا الصينيون إيقافه، لا بل انه بعد اقل من سنة من انسحاب اميركا من الاتفاق النووي، كانت الشركات العالمية الكبرى خضعت للقرار الأميركي و انسحبت مخافة ان تنزل بها عقوبات أميركية تقررها إدارة اخذت على عاتقها ان تركع الإيرانيين، بصرف النظر عن موقف الشركاء السابقين في مجموعة ٥+١.
 
أبقت فرنسا بقيادة الرئيس ايمانويل ماكرون على علاقاتها بالإيرانيين عادية، و ذلك حتى بعد ان بدأت باريس اثارة موضوع "محلقات" الاتفاق النووي التي صار من الضروري التوقف عندها، و التفاوض بشأنها، عنينا برنامج الصواريخ الباليستية الدقيقة التي واصلت ايران تطويرها وإعادة التفاوض على الأفق الزمني للاتفاق، و أخيرا معالجة مخاوف دول الجوار في الشرق الأوسط التي اعتبرت ان ايران أستغلت الاتفاق لتعزز سياستها التوسعية في المنطقة مستفيدة من الأموال الضخمة ( ١٥٠ مليار دولار ) التي افرج عنها غداة توقيع الاتفاق، و صبت في اتجاه برامج التسليح و تمويل علمياتها الخارجية في الشرق الأوسط .
 
و مع هذا التطور الفرنسي الذي اتى ليلاقي جزئيا الموقف الأميركي ومواقف الدول العربية وإسرائيل، لم يقم الفرنسيون بمبادرات حقيقية في اتجاه دفع الإيرانيين الى طاولة مفاوضات، بل بدا موقفهم اقرب الى الطرف الذي لا يحرك ساكنا  فيما ينتظر تحولا في واشنطن، لعلمه بعجزه عن تغيير مسار اللعبة الأميركية في عهد دونالد ترامب.
 
و رغم ان باريس أبقت على قنواتها مفتوحة مع طهران، و بقيت على تماس إيجابي معها في اكثر من نقطة في منطقة الشرق الأوسط، لا سيما في لبنان حيث نجح "حزب الله" التابع لـ"فيلق القدس" الإيراني في احكام سيطرته التامة على بلاد الأرز، واخضع الدولة بمؤسساتها الرسمية لقراره الأعلى، وحول القوى السياسية اللبنانية قوى عاملة تحت سقفه. وابقى الفرنسيون خلال تلك الحقبة على علاقات مفتوحة مع ذراع ايران في لبنان، بناء على تقدير بأنه يمكن لفرنسا ان تتقاسم مع ايران الساحة اللبنانية، و ان تتعايش معها في اطار إيجابي.
 
و لذلك كانت لباريس قبل وصول ماكرون مواقف مؤيدة لتسويات سياسية في لبنان تأتي برئيس للجمهورية من الفريق الحليف لـ"حزب الله"، و تاليا لإيران، فكان تأييدها كبيرا للمرشح النائب السابق سليمان فرنجية الذي ايده حزب معارض في المبدأ لـ"حزب الله" هو "تيار المستقبل"، قبل أن ينتقل هذا التأييد الى مرشح "حزب الله" الأول الجنرال ميشال عون، وكان الأخير انتزع تأييد الد اعدائه المسيحيين "حزب القوات اللبنانية" ليصبح رئيسا للجمهورية اللبنانية و يحتفي الإيرانيون به على انه، بالمعنى الاستراتيجي، مثّل وصولهم هم الى رئاسة الجمهورية، و قد ايد الفرنسيون آنذاك التسوية، كما لعبوا في السنة التالية دورا محوريا في ازمة رئيس الحكومة سعد الحريري مع المملكة العربية السعودية بشكل اطال من عمر "التسوية الرئاسية "، ثم نظموا مؤتمرا استثماريا لدعم لبنان في باريس في ربيع ٢٠١٨  سبق الانتخابات النيابية التي اتمت عملية امساك "حزب الله" ( ايران ) بالقرار السياسي اللبناني عبر نيله مع حلفائه أكثرية مقاعد مجلس النوب، و يومها خرج قائد "فيلق القدس" قاسم سليماني ليصرح بأن حلفاء ايران في مجلس النواب امسكوا بـ ٧٤ مقعدا، أي بأكثرية واضحة من ام المؤسسات الدستورية.
 
استمرت العلاقة الفرنسية – الإيرانية في لبنان جيدة على العموم، و قد تولاها مع "حزب الله" السفير الفرنسي السابق برنار فوشيه الذي اعتبره كثيرون في بيروت شديد الحماسة للعلاقة مع ايران، وذراعها في لبنان ( "حزب الله"). حتى ان كثيرين في لبنان صاروا يتحاشون التعامل معه نظرا الى انحيازه الشديد لكل ما يمت بصلة لإيران. في ما بعد انزلق لبنان نحو ازمة مالية – اقتصادية – سياسية كبيرة، و حصل الانفجار الكارثي في مرفأ بيروت، فأطلق الرئيس ماركون مبادرته السياسية – الاقتصادية، و نظم مؤتمرين لمساعدة لبنان إنسانيا، طارحا تشكيل حكومة مستقلة مهمتها العمل على التفاوض مع المجتمع المالي الدولي لاخراج لبنان من ضائقته، فضلا عن اجراء إصلاحات بنوية في الدولة اللبنانية.
 
و حاول الفرنسيون من خلال المبادرة المشار اليها ان يحتلوا موقعا متقدما في لبنان من دون ازعاج الإيرانيين، او تهديد سيطرة "حزب الله" على الدولة و القرار السيادي في البلد، لكن الاميركيين ومن خلال عقوباتهم التي طالت حلفاء "حزب الله"، لجموا الاندفاعة الفرنسية التي جرى اغراقها في وحول الخلافات السياسية اللبنانية الضيقة، ووضعت مشروع التقاسم الفرنسي - الإيراني للساحة اللبنانية في مهب العقوبات الأميركية التي فرضتها إدارة الرئيس ترامب. و اليوم تتفق آراء المراقبين للسياسة الفرنسية على القول ان باريس، مثل طهران، تنتظر رحيل ترامب و تسلم الرئيس الجديد جو بايدن مهامه، آملة في ان تجد من خلال التغيير الذي سيجلبه معه في السياسة الخارجية الأميركية مدخلا للعودة الى ايران من الباب الواسع، و مجالا لاعادة الحياة الى مشورع التقاسم و التعايش مع ايران على ارض لبنان! 
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم