إعلان

معرفة الـ "ماذا" والـ "كيف" والـ "لماذا" The Know What, The Know How, and The Know Why

المصدر: النهار العربي
سمير قسطنطين
إذا كُنتَ معلّماً، هل صِرتَ تعلّم مستنِداً إلى طرائق تفاعليّة أو ما زلتَ تُعلِّم بالطرائق التقليديّة؟
إذا كُنتَ معلّماً، هل صِرتَ تعلّم مستنِداً إلى طرائق تفاعليّة أو ما زلتَ تُعلِّم بالطرائق التقليديّة؟
A+ A-
تغيَّرَ الزمنُ بعد الحربِ العالميّةِ الثانية تغيُّراً كبيراً. في زمن الحرب، تحوّلَت كلُّ زاويةٍ مُنتِجةٍ في أوروبا إلى مصنعٍ كبير أو متوسّط الحجم لإنتاجِ الأسلحةِ وعدّةِ القتال الأخرى. في منتصف الأربعينات إنتَهتْ الحرب، وبدأَ السؤال الكبير يتردّدُ في كلِّ مكانٍ في أوروبا وفي أميركا: "ماذا سنفعل بهذه المصانع، فالعالم لم يعُد بحاجةٍ إلى إنتاجِ كلِّ هذه الأسلحة"؟ هنا بدأ زمنُ معرفة الـ "ماذا" أي The Know What في الاقتصاد الجديد آنذاك.
 
هذا السؤال طبَعَ جوانبَ الحياة كلَّها. طبعاً الناسُ، ومنذ القِدَم، تسألُ أسئلةَ الـ "ماذا": ماذا نأكلُ، ماذا نشربُ، ماذا نفعل، وإلى ما هنالك من أسئلةٍ مشابهة. لكن في الاقتصاد، أسئلةُ الـ "ماذا" The What باتَت أكبر وأكثر بعد الحرب، وتحديداً في نهاية الأربعينات وبداية الخمسينات من القرن الماضي. 
 
في الستّينات لم يعُد توفُّرُ المُنتَجِ هو الأساس بالنسبةِ إلى المستهلِك، بل باتتْ جودتُه تعني الكثير للشاري. فزمنُ الحربِ الذي كانَ فيه الناسُ يفتّشون "بالسراج والفتيلة" على أيّ منتجٍ ليشتروه بسبب ندرة إنتاج البضاعة الإستهلاكيّة والتفرُّغ لإنتاج السلاح، هذا الزمن كان قد انتهى وباتت الأسواق غارقةً بالمُنتَجات. لذا، ومع مرور الوقت، بدأ سؤال معرفة الـ "ماذا" أي The Know What يتحوّل شيئاً فشيئاً إلى سؤال معرفة الـ "كيف" أي The Know How. بكلامٍ آخر، لم تعُد معرفة المنُتِجين بطبيعة ما سيُنتِجونه هي المهمّة فقط، بل باتت كيفيّةُ الإنتاج، وكلفتُه وتقنيّاتُه التي تجعل المُنتَج أكثر جودةً هي الأساس. ذلك الزمن أصبح إذاً زمن معرفة الـ "كيف" أي The Know How. 
 
باتت ثمانينات وتسعيناتُ القرنِ الماضي هي زمن "كيف" نصنع الأشياء. لم يعُد مهمّاً آنذاك ما إذا كُنتَ مهندساً أم سنكريّاً، ولم يعُد مهمّاً ما إذا كُنتَ مديرَ مبيعاتٍ أم مديرَ تسويقٍ لشركةٍ ما. ولم يعُد مهمّاً ما إذا كُنتَ معلّماً أم مسؤولَ قسمٍ في مدرسة. بات المهمّ هو "كيف" تفعل ذلك. إذا كُنتَ بائعاً، باتَ السؤالُ: "هل تُتمِّم البيعَ بتقنيّاتِ بيعٍ عالية"؟ وإذا كُنتَ معلّماً، هل صِرتَ تعلّم مستنِداً إلى طرائق تفاعليّة أو ما زلتَ تُعلِّم بالطرائق التقليديّة؟ وإذا كُنتَ سنكريّاً، هل بتَّ تستعمل تقنيّاتٍ ومهاراتٍ لم يستعملْها أسلافُكَ، والتي من شأنها جعل الخدمةِ وإرضاءُ الزبون أكثر جودة؟ نعم، هنا كان التحوّل قد تمّ إلى زمن معرفة الـ "كيف" أو The Know How. 
 
لكنّ العالمَ عادَ وتغيّر مرةً أخرى مع نهايات القرن الماضي ومطلعِ القرن الحالي. عندها لم يعُدْ السؤال يتعلّق بمعرفة الـ "ماذا" The Know What، ولا بمعرفة الـ "كيف" The Know How، بل باتَ يتطلّبُ إجابةً عن السؤالِ حول معرفة الـ "لماذا" The Know Why. بكلامٍ آخر بات السؤالُ: "لماذا أنتَ سنكرّيٌ؟ هل لأنَّ هذه المهنة هي مهنتُكَ؟ هل لتعيلَ عائلتَك وحسب؟ أو لكي تبنيَ مساراً مهنيّاً لكَ يعطيكَ رضىً في داخِلِكَ عن نفسِك"؟ وفي مجال التربية، أصبح السؤالُ: "لماذا المدارس؟ ولماذا المعلّمون والمعلمات؟ هل لكي يتمّموا مناهجَ وزارةَ التربيةِ المطلوبة منهم؟ أو أنّ المسألةَ أكبر بكثيرٍ من ذلك؟ فمثلاً، هل المدارس هي لبناءِ إنسانٍ أفضل يجعل لبنانَ وطناً أفضل للعيشِ فيه"؟ هنا باتت معرفة الـ "لماذا" أي The know Why تكتسِبُ أهمّيةً مضاعفة. في مرحلةٍ كهذه أنتَ تسألُ عن السببِ لا عن الشيءِ الذي ستصنعُه، ولا عن طريقةِ صُنعِه، بل عن سببِ صُنعِه. لماذا؟ لأنّكَ إذا عمَّقْتَ رؤيتكَ للأمور وبَحَثْتَ في داخلكَ عن سببِ صُنعِ الأشياء، فأنتَ تبني لسنواتٍ طوال. أنتَ تضعُ الأساسَ المنطقي أي الـ Rationale على سكّةِ الحركةِ قبل أن تُحرّكَ اليديْنَ والرجليَن.
 
في أيّة مرحلةٍ من حياتكَ أنتَ؟ هل أنتَ في مرحلة معرفة الـ "ماذا" تريدُ أن تفعل؟ أو في مرحلةِ الـ "كيف" تريدُ أن تفعَله؟ أو أنتَ في مرحلةِ الـ "لماذا" أُريد أن أقومَ بما أقومُ به؟ جوابُكَ عن هذه الأسئلةِ يحدّد حجمَ الاستدامةِ في نِتاجكَ ونوعيّةَ التأثيرِ الذي تريدُ أن تتركَه في حياتكَ وحياةِ من هُم حولَكَ.
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم