إعلان

عشرون عاماً على أحداث أيلول: انسحاب أميركي!

المصدر: النهار العربي
محمد صلاح
محمد صلاح
بايدن ورؤساء سابقون خلال إحياء ذكرى ضحايا هجمات 11 أيلول
بايدن ورؤساء سابقون خلال إحياء ذكرى ضحايا هجمات 11 أيلول
A+ A-
مرّت الذكرى العشرون لأحداث أيلول (سبتمبر) 2001 وقد غيرّت الولايات المتحدة سياساتها تجاه التنظيمات الإرهابية من المواجهة الى الابتعاد وتفادي الصدام، بينما استعادت حركة "طالبان" السيطرة على أفغانستان بعدما خرج الأميركيون منها، فيما أطل زعيم تنظيم "القاعدة" أيمن الظواهري بشريط مصور كرر فيه أدبيات تنظيمه وكذلك تهديداته.
 
كانت إدارة الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما تعتقد أن دعم "الإخوان المسلمين" في العالم، بل والتحالف معهم، كفيل بكبح جماح التنظيمات التي تستخدم السلاح وسيلة للتغير واستيعاب عناصرها ودفعهم الى اتباع العمل السياسي بدلاً من القتال والأعمال المسلحة، لكن تلك النظرية فشلت وسقطت بعد وصول "الإخوان" الى الحكم في مصر ودول أخرى وظهور الوجه الحقيقي للجماعة التي خرجت من عباءتها باقي التنظيمات الإرهابية الأخرى، وظلت الإدارات الأميركية تنتهج سياسة قائمة على مواجهة التنظيمات المسلحة ومطاردة قادتها وعناصرها، لكن أنماط تلك التنظيمات الإرهابية تطورت وظهر أن الفارق بين التنظيمات الإرهابية الكلاسيكية كما عرفناها في عهود سابقة مثل "الجهاد" و"الجماعة الإسلامية" و"التكفير والهجرة" و"الناجون من النار" وبين إرهاب العصر كتنظيم "داعش" مثلاً أن الأول كان إرهاباً قطرياً محلياً يسعى القائمون عليه إلى قلب أنظمة الحكم في الدول التي ينتمون إليها من دون النظر إلى الأوضاع في الدول الأخرى البعيدة منهم، وهم أبداً لم يقلبوا أنظمة ولم يزيلوا حاكماً عسكرياً أو مدنياً ولم يحلّوا محل أي رئيس أو زعيم. دعك هنا من الطنطنة بالقضية الفلسطينية واستغلالها والمتاجرة بها، فكل التنظيمات الإسلامية طنطنت واستغلت وتاجرت بالقضية الفلسطينية ولم تطلق رصاصة إلا في اتجاه أبناء بلدها.
 
فالمعركة الأساسية للتنظيمات الإسلامية كانت مع أنظمة الحكم في بلدانها، وهي كانت تستخدم قضية فلسطين لتحريض الناس على الحكام، في حين كانت الجماعات المصرية تروّج أن تحرير فلسطين يبدأ بعد تحرير القاهرة!
 
والحقيقة أن خطر الإرهاب لم يتوقف عند "داعش" والظروف التي أفرزتها ... فثورات الربيع العربي وفّرت بيئة خصبة لنمو تلك التنظيمات ورفعت طموحاتها من مجرد محاربة أنظمة تحكم للحصول على الحكم والتوسع والامتداد وكسر الحدود بين الدول بعد السيطرة على أحياء وقرى ومدن كما جرى في العراق وسوريا، ووقعت الدول الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة في أخطاء فادحة كان من نتائجها تفشي ظاهرة الإرهاب بدلاً من انحسارها، فمكافحة التنظيمات الراديكالية لن تتم الا عبر حزمة من الإجراءات لا يمكن أن تنفصل، بداية من القضاء على البيئة الحاضنة للإرهاب والظروف المكوّنة للتطرف ومروراً بحصار الجهات الممولة والمستفيدة من الإرهاب ونهاية بالمواجهة العسكرية والأمنية. المسألة تتجاوز عملية التغنّي بالديموقراطية أو حقوق الإنسان إلى تفعيل مبادئ الديموقراطية وثقافة حقوق الإنسان وقبول الآخر، وتجاوز استغلال المبادئ البراقة أو الشعارات الوردية لمجرد هدم أنظمة غير مرضي عنها أو الضغط على أخرى للحصول على مزايا أو مكاسب.
 
حلّت ذكرى الحدث الإرهابي الكبير ولم تدرك الولايات المتحدة أن الإرهاب المحلي ظل على مدى عقود يرهب السلطة والمواطنين سواء في مصر أو دول أخرى إلى أن جاءت الحرب الأفغانية وظهر الوسيط الذي نقل الإرهاب المحلي إلى مستواه الدولي. تنظيم "القاعدة" تأسس برعاية أميركية وبدعم من دول وأنظمة عربية سارت خلف التوجهات الأميركية وصدقت حكاية محاربة الشيوعية في أفغانستان وسهّلت عبور ومرور وتسفير الإسلاميين من كل البلدان إلى باكستان ثم أفغانستان لترضي الراعي الأميركي الذي كان العدو السوفياتي في مقدمة سلم أولوياته.
 
تجاوز تنظيم "القاعدة" الإطار المحلي، إذ كان تأسس ويعمل أصلاً في بلد غير ذلك الذي ينتمي له أعضاؤه، وهم أصلاً من جنسيات مختلفة وهاجروا وسافروا ورحلوا عن بلدانهم والتقوا على الأرض الأفغانية. وفي مرحلة لاحقة أصبح للتنظيم فروع وصار له خلايا سرطانية منتشرة في بلدان بعيدة من أفغانستان، وعندما تعارضت المصالح الأميركية مع "القاعدة" وقع الصدام على مراحل في الصومال أولاً، بعيداً جداً من أفغانستان، عندما أهان التنظيم، القوة العسكرية الأميركية بسحل جندي أميركي على الأرض، ثم في كينيا وتنزانيا حيث فجر التنظيم سفارتي أميركا هناك في آب (أغسطس) 1998، وأخيراً في أحداث أيلول (سبتمبر) 2001. لاحظ هنا أن الأميركيين كانوا وقعوا في الخطأ نفسه الذي أودى بحياة الرئيس المصري الأسبق أنور السادات الذي استعان بالإسلاميين ليقضي على اليساريين والناصريين وعندما اصطدمت مصالحهم معه قتلوه.
 
المهم أن الحرب على الإرهاب التي تبنتها الولايات المتحدة ضد "القاعدة" وطاولت تنظيمات إسلامية أخرى كانت بسبب ما جرى بعد أحداث أيلول (سبتمبر) 2001، بينما حلت الذكرى العشرين للحدث بعد أيام من إغلاق الولايات المتحدة ملف أفغانستان، وبعدما ساهم الغزو الأميركي لذلك البلد في إضعاف تنظيم "القاعدة" وتشتيت قادته وتفتيت خلاياه غادره الأميركيون وقد أصبح ممهداً لعودة "القاعدة" وتنظيمات أخرى، فقط بحسب ما تراه "طالبان" يحقق مصالحها، وأصبحت أفغانستان مجدداً مهيأة لميلاد تنظيمات أكثر خطورة ولديها قدرات أكبر على الانتشار والترهيب والإيذاء، خصوصاً أن الغرب نفسه الذي احتشد خلف الأميركيين في الحرب ضد الإرهاب ما زال يمنح ذلك المناخ المقويات والمنشطات، بالتوازي مع قناعات غربية عموماً وأميركية خصوصاً مثلت لسنوات طوق النجاة لجماعات الإسلام السياسي، وتقوم على أن الأنظمة العربية الصديقة استنفدت أغراضها وأحترقت سياسياً وأن التعامل مع دول يحكمها إسلاميون معتدلون أفضل نظراً لتمتع الإسلاميين بشعبية في دولهم ولأنهم أيضاً يستطيعون كبح جماح التنظيمات الراديكالية كـ"القاعدة" وغيرها اعتقاداً بأن التعامل مع "الإخوان المسلمين" يحسن صورة الدول الغربية ويقرب بينها وبين الشعوب العربية.
 
فشل "الإخوان" في مصر وتونس وحتى أخيراً في المغرب، وثبت أن ليست لديهم خبرة في الحكم أو حتى حنكته، بل تم فضح علاقاتهم بالتنظيمات الرديكالية، وانسحب الأميركيون من أفغانستان، وعادت "طالبان"، وظهر الظواهري، وبات على الدول العربية أن تواجه مصيراً لا يمكن أن تتفادى سلبياته الا باعتمادها على مقوماتها وقدراتها ... وأسلحتها.
الكلمات الدالة