إعلان

الجزائر... انفجار تناقضات حزب "جبهة التّحرير الوطني"

المصدر: النهار العربي
أزراج عمر  
أزراج عمر  
ابو الفضل بعجي
ابو الفضل بعجي
A+ A-
 لا تزال حوادث يوم الخميس الماضي المتمثلة باقتحام مقر أكبر حزب جزائري بالقوة، وهو "جبهة التحرير الوطني"، من مجموعة من أعضاء لجنته المركزية المعارضين لأمينه العام أبو الفضل بعجي، تفرز تداعيات ذات طابع قانوني وأخلاقي وسياسي، في المشهد السياسي الجزائري المكتظ بكثير من الأزمات الأخرى التي لم تجد حلولاً عملية جدية حتى الآن. 
 
ومن الواضح أن انفجار هذا العنف المادي المتمثل في اجتياح المقر أمام مرأى سكان الشارع، فضلاً عن عناصر من الشرطة، ليس حالة استثنائية معزولة في راهن الحياة السياسية الجزائرية. فقد شهدت أحزاب سياسية جزائرية وتنظيمات المجتمع المدني أشكالاً متنوعة من القطيعات والمعارك الداخلية التي تسببت في تسميم بنياتها ونشاطاتها، كما أصيب البرلمان الجزائري من قبل بسلسلة من أعمال العنف اللفظي حيناً، وباستخدام العصي حيناً آخر، كما تمّ غلق أبوابه وطرد رئيسه منه من جانب معارضيه، كما حدث مثلاً لرئيس البرلمان السابق والراحل السعيد بوحجة. 
 
ويبرر معارضو الأمين العام أبو الفضل بعجي دخولهم هذا المقر بأنه ليس بهدف التكسير أو الاعتداء على العاملين فيه، بل من أجل عقد اجتماع حاسم بعد رفض وزارة الداخلية الترخيص لهم بالاجتماع في مقر تحدده، وذلك بغية سحب الثقة من هذا الأمين العام شخصياً. 
 
وبعد فترة وجيزة مرّت على اجتماع هؤلاء المعارضين، ظهر الأمين العام بعجي، وهو في مكتبه كما أكد ذلك الفيديو الذي بثته وسائل التواصل الاجتماعي وانتشر بسرعة بين رواد "فايسبوك"، وأعلن فيه أن الأمور تحت السيطرة، وأن الذي حدث هو "بلطجة" منافية للأخلاقيات السياسية واعتداء سافر على هيبة الحزب الذي حصد أكبر عدد من المقاعد البرلمانية في الانتخابات التشريعية الأخيرة. 
 
ووصف بعجي الحدث بمحاولة يائسة قامت بها مجموعة لا تملك الشرعية، وهدفها الأساسي خلط الأوراق ومنع حزب "جبهة التحرير الوطني" من تجديد هياكله، وغلق أبوابه أمام الجيل الشاب الجديد، وتكريس سيطرة شيوخ الحرس القديم التقليدي الذي حوّل هذا الحزب بؤرة للفساد المالي والجمود السياسي والعقم الفكري.
 
ويلاحظ أن الأمن الوطني لم يقم بمساءلة الأشخاص الذين اقتحموا مقر الحزب أو اعتقالهم، كما أن مؤسسة الرئاسة لم تتخذ أي موقف رسمي تجاه ذلك، أما أحزاب المعارضة والموالاة فقد اكتفت بالتنزه من بعيد، ويعني هذا ضمناً أن الجميع قد سلّم بأن معركة الفرقاء في هذا الحزب ليست إلا زوبعة في فنجان، رغم أن الواقع ليس كذلك، لأن حزب "جبهة التحرير الوطني" جزء أساسي من تناقضات التاريخ الجزائري المعاصر، ومن فشل مرحلة الاستقلال في بناء مجتمع العصرنة والحداثة.
 
وفي هذا الخصوص، يرى كثير من المراقبين السياسيين في الجزائر أن الانفجارات  القديمة والراهنة داخل هياكل حزب "جبهة التحرير الوطني"، هي تعبير عن  شيخوخته وعجزه عن أن يكون حزباً يقود الشعب خارج النفق المظلم للوضع السياسي البنيوي العام الذي ما فتئ يكبّل البلاد. وزيادة على ذلك، فإن وجهة نظر هؤلاء تؤكد أن تغيير الأشخاص داخل منظومة هذا الحزب لا يعني أي شيء له دلالة سياسية يطمئن إليها الشعب الجزائري، وبالعكس فإن التجربة علّمت الرأي العام الوطني أن مثل هذه الترقيعات الشكلية لا تجدي نفعاً، لأن المطلوب شعبياً هو التغيير الراديكالي لمركّب الأفكار المتخلفة ولخيار الرأسمالية الاستغلالية، وللسلوك البيروقراطي الذي يجهض انفتاح العمل الحزبي على المواطنين في المدن والأرياف التي تعاني شتى أنماط الإحباط الثقافي والنفسي والقهر الاجتماعي.
 
وفي الواقع، فإن الأزمة الحقيقية التي يعانيها حزب "جبهة التحرير الوطني"، والتي تعيد إنتاج نفسها باستمرار، ليست أزمة أشخاص فقط، بل هي أزمة عميقة يمكن رصد نواتها المبكرة في تفاصيل مشهد حركة التحرر الوطني، أي حين كانت "جبهة التحرير الوطني" مجرد فسيفساء مشكلة من التيارات السياسية الجزائرية المتناقضة في العقيدة، والتي عملت موقتاً وشكلياً تحت مظلة حركة التحرر الوطني لتحرير الجزائر من الاحتلال الفرنسي، وليس تحرير نفسها ومناضليها من التناقضات الفكرية والسياسية.
 
 مما لا شك فيه أن أصول هذه الأزمة ترجع جوهرياً إلى تبعية "جبهة التحرير الوطني" حينذاك للجيش الوطني الشعبي، الأمر الذي أسس منذ البداية طقوس تهميش البعد السياسي في الحياة الجزائرية، ومن ثم تكريس سيطرة مؤسسة الجيش والأمن سيطرةً سافرة بعد الانقلاب العسكري الذي قاده الرئيس الراحل هواري بومدين ضد رئيس البلاد حينذاك أحمد بن بلة. 
 
من الملاحظ أن حزب "جبهة التحرير الوطني" لم يقدر في مرحلة التعددية الحزبية فك الارتباط مع ميراث هذه الخلفية التاريخية التي صار يعيد إنتاجها بطرق مختلفة،  وفضلاً عن ذلك، فإنه لم يحسم مشكلة الهوية الوطنية المؤسسة على التنوع. ولا شك في أن هذه الأسباب وغيرها هي التي جعلت ولا تزال تجعل هذا الحزب مجرد حلبة للصراعات حول المناصب، بدلاً من تطوير مبادئ حركة التحرر الوطني وعقلنة النمو الطبيعي للمجتمع المدني وللشخصية الوطنية الحداثية، والانتصار لثقافة التحول الاجتماعي في إطار خيار الدولة الديموقراطية.
الكلمات الدالة