إعلان

أفغانستان.. حاضرة الإرهاب ومستقبله

المصدر: النهار العربي
منير أديب
منير أديب
عناصر من طالبان
عناصر من طالبان
A+ A-
تحت سمع العالم وبصره، يتم تحضير عاصمة الإرهاب الجديدة والتي تنطلق منها عمليات التدريب والتجنيد، وربما من خلالها تُدار المعارك، فضلاً عن كونها المظلة لكل تيارات العنف والتطرف، حيث تُصبح المظلة الأهم لهذه الجماعات بعد سقوط دولة "داعش" في 22 آذار (مارس) عام 2019.
 
باتت أفغانستان عاصمة الإرهاب الجديدة أو عاصمة الإرهاب التي لا تغيب عنها الشمس، فكما كانت الحاضنة الأهم والأكبر لكل جماعات العنف والتطرف قبل عشرين عاماً، ها هي الآن العاصمة التي ينطلق منها "الإرهاب المعولم" أو عابر الحدود والقارات فيهدد كل دول العالم وبلا استثناء.
في تقديري خطورة أفغانستان ليست في تحولها منصة ينطلق منها الإرهاب إلى كل دول العالم، ولكن أن يتم ذلك من خلال الولايات المتحدة الأميركية وأمام المجتمع الدولي، حيث يتم إعداد أفغانستان في وضح النهار، فأميركا التي واجهت الإرهاب في هذه الدولة على مدار عقدين، تخرج في جنح الظلام وهي تجر أذيال الخيبة والعار والهزيمة أمام حركة متطرفة واجهتها على مدار عقدين، ولكنها لم تفلح في ذلك، وهي أرادت ألا تقضي عليها لأسباب سوف نتعرف اليها.
أميركا تواجه خصومها من خلال إعادة تصنيع الإرهاب في هذه الدولة الملاصقة للعدو اللدود الصين، كما أنها تقوم بتخليق الفيروس القاتل داخل هذا الجسد الذي لا يبعد كثيراً عن روسيا التي ناكفت الولايات المتحدة كثيراً خلال العقد الأخير، فأرادت أميركا أن تطعنها من خلال إعادة هذا المارد الذي تسبب في سقوطها على خلفية الحرب الأفغانية التي بدأت رحاها عام 1979.
 
سقطت أميركا عندما قررت داخل معاملها المركزية تحضير هذا الفيروس القاتل من أجل مواجهة خصومها في حرب بيولوجية هدفها القضاء عليهم، صحيح أن أميركا يبدو أنها تواجه الإرهاب، وهذا سبب وجودها في أفغانستان عشرين عاماً، ولكن يبدو أنها حافظت على هذه الحالة داخل هذه الدولة الآسيوية لمواجهة المارد الآسيوي الصاعد الصين، وهو ما جعل الصين في حالة اضطراب شديد بسبب تصنيع عاصمة الإرهاب الأولى على حدودها.
 
أميركا تواجه الصين بالسلاح نفسه الذي سبق أن واجهت من خلاله روسيا، عندما دعمت المقاتلين العرب أو ما أطلق عليهم وقتها المجاهدون العرب، والذين شكلوا بعد انتهاء الحرب الأفغانية تنظيم "قاعدة الجهاد"، عندما أدرك هؤلاء المقاتلون بعد تحقيق الانتصار أن الجهاد باق إلى يوم الدين، فوضعوا قاعدة بيانات لكل المجاهدين الذين أتوا إلى أفغانستان، وشكلوا منها ما سُمّي بـ"قاعدة الجهاد" التي ضربت برجي مركز التجارة العالمي عام 2001.
 
تنظيم "قاعدة الجهاد" الذي تخلق في أروقة جهاز الاستخبارات الأميركي وبدعم مباشر منه، هو من اعتدى على أميركا في مطلع الألفية الثانية، وهو من خرج من رحمه تنظيم "داعش" وملأ الأرض إرهاباً، أميركا لم تع الدرس أو لعلها أدركته جيداً، ما دفعها لاستخدام السلاح الفتاك نفسه "الإرهاب" ضد خصومها السياسيين.
 
لم تكن أميركا متورطة وحدها في أفغانستان، ولكن أوروبا وحلف الناتو تقع عليهما المسؤولية نفسها، فقد انسحبت قوات الناتو من أفغانستان أمام "طالبان"، صحيح أنها كانت رديفاً للقوات الأميركية، ولكنها تبنّت وجهة نظر أميركا وأعطت لها مساحة في تخليق فيروس الإرهاب.
 
تعتقد الولايات المتحدة أن خطر الإرهاب لن يصل إليها كما اعتقدت في السابق، عندما خلّقت هذا الفيروس في نهاية السبعينات من القرن الماضي، فبعد قرابة 22 عاماً، يقوم الجيل الجديد من "المجاهدين" الذين دعمتهم واشنطن بضربها في أسوأ مواجهة إرهاب تتعرض لها على مر تاريخها، وما زالت تعاني من تبعاتها النفسية رغم مرور 20 عاماً عليها، وهذا يدل الى أنها جنت وسوف تجني ثمار رعايتها الإرهاب في هذه الدولة.
 
يتحمل المجتمع الدولي مسؤوليته في أنه ترك أميركا تعيد بناء قدرات "طالبان" عندما أتاحت لها فرصة لبناء دولتها الجديدة، فانسحاب واشنطن بمثابة دعم مباشر لدولة "طالبان" الجديدة، ولعل ذلك يذكّرنا بالتّحرك المتأخر للرئيس الأميركي الأسبق بارك أوباما عام 2014 لمواجهة "داعش" بعد إعلان دولته في 29 حزيران (يونيو) عام 2014، وعندما تحركت أميركا وكانت واضحة في تحركها، أن هدف القوات الأميركية هو التقليل من خطر "داعش" وليس القضاء عليه، فبعد 5 سنوات من المواجهة غير المباشرة عبر الضربات الجوية، أعلنت واشنطن القضاء على "داعش" الذي ما زال حاضراً من خلال خلاياه، وهو ما يُشكل خطورة أكبر مما كان عليها عندما كان دولة.
 
على المجتمع الدولي أن يقف أمام إعادة تصنيع عاصمة الإرهاب الأولى في أفغانستان، وعلى هذا المجتمع "التابع" أن يقف أمام الرغبة الأميركية في الاستثمار في الإرهاب أو في استخدام أميركا الإرهاب في مواجهة خصومها، أميركا عندها ولديها مشكلة حقيقية تتمثل في إعادة تصنيع فيروس الإرهاب وسط حاضنة كبيرة لها سوف تهدد أمن العالم، وهو ما يتطلب من هذا العالم مواجهة أميركا والوقوف أمام رغبتها، وقد يتم ذلك من خلال دعم الحكومة الحالية في أفغانستان ودعم جهود مواجهة الإرهاب في كابول. 
 
ربما يكون الوضع في أفغانستان أخطر مما يتوقعه البعض، وربما يكون أسرع بالشكل الذي لن يغيّر من الحال شيئاً لو تحرك حلف دولي ضد رغبة أميركا في استثمار الإرهاب في أفغانستان، ولكنه قدر محتوم في المواجهة ومواجهة لا مفر منها، فأخطر الإرهاب الذي تدعمه دول ويُصنّع في أروقة أجهزتها الاستخباريه، هو بمثابة قنبله تكاد تنفجر في وجه من يقترب ومن لم يقترب منها.
 
أقغانستان سوف تظل وعاء "القاعدة" كما كانت قبل 20 عاماً، وهي وريث دولة "داعش"، وهي الدولة الوليدة التي تخرج إلى العالم وتعبر عن "القاعدة" و"داعش" معاً، صحيح أن "طالبان" تختلف عن "داعش"، ولكنه اختلاف يضيف إلى ظاهرة الإرهاب المعولم ويهدد أمن العالم ويتلف ما تبقى من استقراره.
 
مشكلة أميركا أن جناحيها "الجمهوري" و "الديموقراطي" اتّفقا على استخدام الإرهاب والاستثمار فيه، ويبدو أن الكلمة هنا ليست للسياسيين ساكني البيت الأبيض، بل للدولة العميقة في أميركا التي تبحث عن مصالحها السياسية وتواجه خصومها، فإرادة المؤسسات الأميركية من خلال أجهزتها الاستخباريه لا تتغير بساكني البيت الأبيض، أياً كان اختيار وزير الدفاع وأياً كانت استراتيجية الرئيس الأميركي، أميركا تحدد الخطر وتواجهه مباشرة عبر أدواتها غير القيمية.
 
فإذا كان الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب قد اتهم الصين بتخليق فيروس كورونا ووصفة بالفيروس الصيني في إشارة إلى إنتاجه في معامل ووهان الصينية بهدف ضرب اقتصاديات دول كبرى، وإعادة رسم خريطة العالم من جديد اقتصادياً وعسكرياً وفق هذا الفيروس غير المرئي والقاتل، فإن الأمر ينطبق على واشنطن في دعمها "طالبان" من خلال الانسحاب من أفغانستان في وقت تحتاج فيه هذه الدولة إلى من يُساندها حتى لا تقع تحت سنابك خيل مقاتلي "طالبان"؛ فإذا وصف ترامب فيروس كورونا بأنه الفيروس الصيني، فإننا نصف الإرهاب في أفغانستان بأنه الإرهاب الأميركي.
 
تحولت أفغانستان فوهة بندقية سوف يُطلق من خلالها الإرهاب وأميركا البارود على العالم، وفي مقدمة هؤلاء أعداؤها الذين يشكلون خطراً عليها مثل الصين وروسيا، كما أنها سوف تواجه كل من يسبب لها أذى من خلال تسليط فوهة هذه البندقية إليه.
أسابيع قليلة وتقع أفغانستان في يد "طالبان"، وبعدها سوف يُعاني العالم من موجة جديدة من الإرهاب، إرهاب دولة سوف تعترف دول كبرى بشرعيتها، فالعالم يواجه تحدي الإرهاب في شكل الجماعات والتنظيمات المتطرفة وخلاياها، ومن خلال الدول التي نجح في إقامتها وبشرعية هذه الدول، فقد استفاد من سقوط دولة "داعش" رغم قوتها، لأنها كانت بلا شرعية واعتراف دولي، بخلاف "طالبان" التي اعترفت بها دول كبرى حتى تحافظ على مصالحها ولا تدخل في عداء معها.
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم