إعلان

حروب نصر الله وعون ... تكريس الهيمنة والإمساك بالقرار والسلطة

المصدر: النهار العربي
ابراهيم حيدر
عون ونصر الله في عام 2006
عون ونصر الله في عام 2006
A+ A-
تتوسع دائرة المعارك بين القوى السياسية والطائفية اللبنانية. لا يقتصر الأمر على موضوع الحكومة، بل يطاول السلطة وكل بنى النظام. المفارقة أن رأس النظام أي رئيس الجمهورية ميشال عون يخوض حربه وكأنها الأخيرة على وقع الانهيار الشامل في البلد، أولاً لضمان مستقبل صهره رئيس "التيار الوطني الحر" جبران باسيل، وثانياً، للإمساك بعملية تشكيل الحكومة وقرارها من خلال الثلث المعطل أو الضامن وحتى تسمية 9 وزراء من أصل 24 وزيراً في الحكومة المقترحة، وثالثاً عدم التنازل عن الصلاحيات التي تكرّست بالأمر الواقع وصولاً إلى إدارة الفراغ والبقاء في قصر بعبدا اذا استدعى الأمر ولم تتشكل الحكومة في البلاد.
 
يواجه ميشال عون، الرئيس المكلف الجديد نجيب ميقاتي، بالشروط ذاتها التي واجه بها سلفه السابق سعد الحريري الذي اعتذر بعد 9 أشهر من تكليفه ولم يستطع التوصل الى تسوية مع رئيس الجمهورية الرافض أصلاً لترؤسه الحكومة، حيث عمل عون من خلال تشدده واستعصاءاته على دفع الحريري نحو الاعتذار. وفي مباحثاته مع ميقاتي، أظهر الرئيس عون تصلبه ايضاً، لا بل سعى الى استنزاف الرئيس المكلف لانتزاع مزيد من التنازلات، انطلاقاً مما يعتبرها ثوابته، متحصناً في القصر ومستنداً إلى توقيعه، ويعتبر أنه لا يخسر شيئاً في معركته. وإذا تمكن من انتزاع تنازلات من ميقاتي وتشكيل حكومة تلبي الشروط العونية، وهو احتمال قوي، سيكون الرئيس المكلف أمام خطر خسارة علاقته برؤساء الحكومة السابقين، واهتزاز موقعه في بيئة السنّية السياسية، وسيخضع للإملاءات العونية وسياستها التي تريد الهيمنة على البلد.
 
الطرف الأقوى بين القوى التي تخوض معارك لتثبيت السيطرة في المعادلة اليوم، هو "حزب الله". بتحالفه مع عون، وتمايزه عنه في العلاقة مع الطرف الآخر من "الثنائي الشيعي" حركة "أمل"، يريد الحفاظ على معادلة النظام القائمة وإعادة انتاجها، بهدف الحفاظ على هيمنته في السلطة الممسك بها سياسياً وبفائض القوة ميدانياً وعسكرياً. التوقف عند سياسة "حزب الله" في الملف الحكومي وفي النظام والسلطة، مسألة أساسية تحدد المسار الذي سيسلكه البلد في المرحلة المقبلة، انطلاقاً من أنه يخوض معارك لحسابات إقليمية، بصرف النظر عن المواجهة مع إسرائيل، والتي هي أيضاً تدخل في الاعتبارات المتعلقة بتحسين الشروط الإيرانية في المفاوضات، ثم رفض المجتمعين العربي والدولي لمشاركته في الحكومة. وفي هذا الوضع لا يبدو أن حل المعضلة اللبنانية قد صار جاهزاً، وهي عملية ترتبط بالتطورات في الإقليم ومآلات الصراع والمفاوضات حول الملف النووي، حتى لو تشكلت حكومة في لبنان، فهي ستدير الأزمة ولن تستطيع القوى التي تشكلها خوض غمار الإصلاحات ولا حتى السير في الإنقاذ.
 
اللافت في مشروع "حزب الله" هو ما أعلنه أمينه العام السيد حسن نصر الله في خطابه الأخير، والذي يحدد ملامح الوجهة العامة التي يسير إليها البلد. أولاً، إبلاغه المعنيين بما فيها الدولة اللبنانية المفككة انه الطرف الممسك بالمعادلة في الجنوب اللبناني والمقرر في شؤونه، وثانياً، كلامه حول التحقيقات في انفجار مرفأ بيروت، فهو ينطلق من حسابات لا يريد من خلالها أن يفتح التحقيق على ملفات أخرى، وكشف خباياها. وانطلاقاً من ذلك، يبقى "حزب الله" الطرف المتحكم بالدولة ومؤسساتها، وكذلك في سياستها الخارجية، وله سطوة غير مباشرة على عملية تشكيل الحكومة، فإذا لم تحسم موقفها نحو الخارج، وتتبنى مقولات محور المقاومة، ستبقى الأمور على حالها.
 
"حزب الله" مستعد لترسيخ معادلته في الجنوب، بخوض معارك على كل الجبهات. حتى أن نصر الله تحدث للمرة الأولى في خطابه عن الخصوم والاعداء في الداخل، وهو ما يعني استعادة لمصطلحات كان وضعها جانباً، لكن إعادة نبشها تعني أنه أيضاً يعاني من ضغوط كبيرة وأزمات، خصوصاً مع انفكاك البيئات الطائفية اللبنانية عنه، لذلك يجدد "الحزب" شعاراته حول الرد ضد أي ضربات إسرائيلية ويعود لرفع شعار حماية المقاومة للبنان داخلياً بدلاً من أن تكون الدولة هي المعنية والمسؤولة عن السيادة ومواجهة الاعتداءات. أما خارجياً فهو يريد تثبيت قواعد الاشتباك والاحتفاظ بمعادلة الردع، ولا يريد في الوقت الحالي لحسابات إقليمية خوض حرب مع إسرائيل، فيوجه قوته الى تعزيز السيطرة في الداخل.
 
بين المعارك التي تخوضها الأطراف، ومنها قوى تدور في فلك "حزب الله" وأخرى تتحمل مسؤولية ما آلت إليه الأوضاع اللبنانية أيضاً، يشهد لبنان انهيارات متتالية، وفوضى اجتماعية يكرسها غياب معالم الدولة. وليس انقطاع الكهرباء والمحروقات والمياه وفقدان المواد الضرورية وتهاوي العملة الوطنية، إلا أسباباً لسقوط الدولة في المستنقع، فيما الوقائع كلها لا تشير إلى أن هناك أملاً في الإنقاذ، حتى لو تشكلت حكومة نجيب ميقاتي.
 
لا حل سحرياً لأزمات لبنان، فالطبقة السياسية المسؤولة عن الانهيار وسياساتها التي وضعت البلد في أتون صراع المحاور ورهنته للخارج، لن ينقذها تدخل دولي عاجل كما كان يحصل في السابق. ليس ممكناً اليوم العودة إلى ما كان عليه الوضع السائد قبل سنوات، وأحد أسباب الانهيار السريع هو التسوية التي أوصلت ميشال عون إلى الرئاسة في عام 2016، والتي دخلت فيها كل الأطراف بما فيها سعد الحريري الذي اعتبر أنه أخطأ فيها، وهي التسوية التي كرّست هيمنة طرف قوي على لبنان، وثبّتت انتصار خيار سياسي أخذ لبنان إلى محور المواجهة في المنطقة، وهو يسير إلى الهاوية. أما الإنقاذ فيلزمه شروط مختلفة، فإذا كان الحل الإقليمي والدولي وتسوياته ستسلم لبنان إلى الخيار السياسي ذاته وعلى القاعدة نفسها التي انتصر فيها فريق على آخر عبر التسوية الدولية بعد الاتفاق النووي في 2015، فإن البلد سيبقى ينزف إلى النهاية. هذا لا يعني أن هناك خياراً سياسياً في المقلب الآخر قادراً على السير بمشروع الإنقاذ. الأساس أن يخوض اللبنانيون معركتهم الأولى من أجل الإنقاذ وبعدها يقررون مسار التغيير.
 
Twitter: @ihaidar62
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم