إعلان

منع المواجهة "الضّخمة" بين إيران وإسرائيل والسّماح بـ"عضّات" "حزب الله"

المصدر: النهار العربي
راغدة درغام
راغدة درغام
من جلسات مفاوضات فيينا
من جلسات مفاوضات فيينا
A+ A-
دخل التمهيد المكثَّف للصفقة النووية مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية مرحلة إيضاح التفاصيل وشرح الضمانات بين الحليفين الأميركي والإسرائيلي بالذات، عبر زيارة مدير وكالة الاستخبارات الأميركية CIA، وليام بيرنز، إسرائيل هذا الأسبوع. الدول العربية - الخليجية منها أو العراق ولبنان - لن تحصل على أكثر من تطمينات شفوية بأن إحياء الاتفاقية النووية JCPOA لمصلحتها، وأن رفع العقوبات النفطية والتجارية عن طهران لن ينفخ في "الحرس الثوري" الإيراني غطرسة النصر النووي لتنفيذ مشاريعه الإقليمية التوسعية، لأن رعاة الاتفاقية سيراقبون بيقظة.
 
اضطرار إسرائيل للخضوع لما قرّرته إدارة بايدن لن يكون بلا مكافآت استراتيجية، تشمل التزام واشنطن تعزيز التفوّق العسكري النوعي لإسرائيل في كامل الشرق الأوسط، وتنطوي على مشاركة إسرائيلية فعليّة في صوغ التفاهمات والصّفقات الأميركية - الإيرانية الناتجة من إحياء الاتفاقية النووية وتوابعها، بما يشمل تحديد الخطوط الحمر وتعريف هوامش المناورات. روسيا تسعى الى إقحام نفسها بقوّة في التفاهمات الإيرانية - الإسرائيلية، وكذلك في مشروع جمع الدول الخليجية العربية وإيران للبحث في هيكلية جديدة للأمن الخليجي Gulf Security Structure، إنما الأولويّة الاستراتيجية لديها هي الجمهورية الإسلامية الإيرانية. أوروبا انبطحت أمام طهران ولن تتأخّر عن التضحية بأي شيء وأي كان باسم إنجاز العودة الى الاتفاقية النووية مع إيران، ولبنان في مقدّمة المرشحين للتضحية الأوروبية بِهم إرضاءً للحرس الثوري الذي أوضح أنه لن يفرّط قيد أنملة بوكيله وأهم شركائه الاستراتيجيين، "حزب الله" في لبنان. الصين تساهم في مفاوضات فيينا الرامية الى الصفقة النووية مع إيران، ليس فقط لأن رفع العقوبات النفطية ورفع حظر بيع الأسلحة لطهران يقع مباشرة في مصلحة الصين وروسيا على السواء، بل أيضاً لأن ما يقدّمه "الحرس الثوري" الإيراني لبكين في لبنان، على سبيل المثال، هو نظام مالي فالت يلي انهيار النظام المالي الحالي تستطيع الصين استخدامه للمراوغة والتحايل على العقوبات الأميركية والأوروبية عليها. فالدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن، الولايات المتحدة والصين وروسيا وبريطانيا وفرنسا، زائداً ألمانيا، متأهِبة للصفقة النووية مع طهران، ولا تبالي حقاً وفعلاً بانعكاسات الصفقة وأموالها الضخمة على السلوك الإيراني الإقليمي في العراق أو في لبنان أو سوريا أو اليمن.
 
ما يهمّ كل هذه الدول هو إسرائيل واحتواء أيّ مواجهة عسكرية ضخمة بينها وبين إيران، مباشرة أو عبر "حزب الله". المناوشات مقبولة حتى وإن أسفرت عن تدمير البنية التحتيّة السياسية والاقتصادية والاجتماعية للبنان، بكل ما في ذلك من فظاعة لا أخلاقية خالية من القيم الإنسانية. أمام إفلاس هذه الدول - أو ما يسمّى بالأُسرة الدولية - من الضروري البناء الفوري على ما يقوم به الفاتيكان والبابا فرانسيس من أجل لبنان وسيادته، لدفعه نحو ممارسة الضغوط الجديّة الفاعلة بالذات على الدول الأوروبية والرئيس الأميركي جو بايدن لوقف تمزيق نسيج السيادة اللبنانية. والحاجة ملحّة أيضاً لدور مماثل يقوم به آية الله علي السيستاني في العراق الذي أصدر فتوى إنشاء "الحشد الشعبي" بعدما بات الحشد اليوم محرّكاً إيرانياً ضد السيادة العراقية، فحان الوقت لاسترداد الفتوى قبل فوات الأوان.
 
في البدء لنتحدّث عن روسيا وقرارات الرئيس فلاديمير بوتين الاستراتيجية في منطقة الخليج والشرق الأوسط. السيد بوتين، ووزير خارجيته المخضرم سيرغي لافروف، وكامل طاقمهما ملتزمون كليّاً العلاقة الوطيدة مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وهم يعتبرونها حيوية للمصلحة الروسية، لا استغناء عنها في سوريا، ولا غنى عنها في منطقة الخليج والعراق ولبنان.
 
"روسيا ليست مستعدّة لفرض القناع الحديدي iron mask على إيران"، قال أحد المشاركين في صنع القرار في روسيا، واشترط عدم ذكر اسمه. الكرملين يجد في الصفقة الأميركية - الإيرانية وإحياء الاتفاقية النووية فوائد جمّة لروسيا، انطلاقاً من رفع الحظر العسكري عن طهران الذي ستنتج منه موارد مالية ضخمة لموسكو، مروراً بالصفقات الاقتصادية والعسكرية الجاهزة للتفعيل فوراً، وصولاً الى مشروع انضمام إيران الى مجموعات التجارة الحرّة الأوروبية - الآسيوية على نسق الاتحاد الأوروبي - الآسيوي الاقتصادي. فدول مثل طاجكستان مثلاً تستثمر بشدّة في تسويق إيران لدى منظمة شانغهاي للتعاون الأمني. وروسيا مستنفرة للمساعدة في انضمام إيران الى مختلف المجموعات الأمنية والاقتصادية.
 
وفي المعلومات، أبلغت طهران موسكو استعدادها للمشاركة في أي اجتماع تدعو اليه الأخيرة للبحث في اقتراح روسيا إنشاء "بنية أمنية للخليج" Gulf Security Structure إذا عُقِدَ في عُمان. موسكو متحمّسة ومبتهجة لأنها تريد أن تتولّى ذلك المشروع المهمّ الذي يأتي بدول الخليج العربية وإيران الى طاولة البحث في الترتيبات الأمنية. والكرملين يرى أن اقتراح الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لجمع العراق وجيرانه في اجتماع له أبعاد أمنية، إنما هو تطفّل على طروحاتها وتصرّف صبياني، الهدف منه الإيحاء بأن فرنسا دولة كبرى والتسويق لماكرون داخلياً ودولياً.
 
روسيا تتفهّم جدّاً احتياجات إسرائيل الأمنية وعدم تمكّنها من أن تثق بإيران، لا سيّما إزاء بيانات كبار رجال إيران العسكريين والأمنيين المعادية لإسرائيل.
 
إسرائيل تخشى أن يكون التعاون المتين الجديد بين الولايات المتحدة في عهد جو بايدن والحكومات الأوروبية Trans Atlantic cooperation على حسابها اقتصادياً، وليس أمنياً، نظراً للالتزام الأميركي والأوروبي بأمن إسرائيل. تخشى أن يكون اندفاع الاتحاد الأوروبي للتعاون اقتصادياً مع إيران مُكلِفاً للعلاقات الأوروبية - الإسرائيلية التجارية والاقتصادية. وتخشى أيضاً إفرازات الوعود التي قدّمها الرئيس بايدن أثناء زيارته الأوروبية بأن تكون الأولوية لاستعادة وحدة عبر الأطلسي Trans Atlantic unity، والتزام إحياء الاتفاقية النووية الإيرانية التي باتت هوساً أوروبياً بذريعة الخوف النووي من الإمكانات الإيرانية المتسارعة لامتلاك السلاح النووي.
 
ما تتفق عليه الولايات المتحدة وروسيا والدول الأوروبية، وكذلك الصين، هو العمل الجماعي والفردي لمنع أيّ "مواجهة ضخمة" massive confrontation بين إيران وإسرائيل. التأكيد هنا هو على مواجهة ضخمة بين الدولتين، وليس المناوشات عبر الوكلاء في الدول الأخرى مثل سوريا ولبنان.
أحد المطّلِعين على السياسة الروسية في هذا الصدد قال إن موسكو ستكتفي بالتركيز على توجيه النداء والعمل وراء الكواليس لدى إيران وإسرائيل لمنع اندلاع "المواجهة الضخمة"، لكنها لن تعترض بشدّة على "لدغات حزب الله" Hezbollah bites أو "عضّات حزب الله"، ولا على انتقام إسرائيل من هذه اللدغات في لبنان. "فلبنان ليس سوى منبر للعضّات"، و"نحن لا نريد تدمير امتيازات إيران".
 
موسكو لا ترى خطأً أو خطيئة في مواقفها هذه، لكن "حزب الله" نظر الى الأمر كواقع وأمر واقع لا مفرّ منه. ما تتوقّعه الدبلوماسية الروسية من الرئيس الإيراني الجديد إبراهيم رئيسي هو خطوات تثبت أن إيران لا تعتزم تدمير لبنان، بل في ذهنها "إحياء" لبنان اقتصادياً وأمنياً وسياسياً كما تقتضيه عقيدتها ومصالحها ونموذجها.
الكرملين ليس مكترثاً بمعنى ذلك وتأثيره في النسيج الاجتماعي في لبنان، ولا يريد أن ينظر الى الأمر من زاوية يزعم أنها مفضّلة لديه، وهي حماية الأقليات المسيحية في المشرق. أولويته إيران، نقطة على السطر. لا تهمّه سيادة دولة صغيرة مهمّشة مثل لبنان ما لم يؤثر الانهيار اللبناني في سوريا، وما لم تؤمّن إيران والوكلاء في لبنان تهريب الاحتياجات الى سوريا من لحم اللبنانيين وعظمهم، فممنوع أن يخنق انهيار لبنان سوريا. والمهم: لا هجوم ضخماً من إيران على إسرائيل من لبنان، ولا رد إسرائيلياً ضخماً. وعندما تدافع موسكو عن مواقفها، تتذرّع بأنها لا تدعم ولا تصادق بل تتفرّج وتستخدم نفوذها في الأمور الكبرى. وشأن لبنان لدى موسكو صغير.
 
شأن لبنان لدى الفاتيكان ليس أبداً بصغير أو هامشي. دعا البابا فرانسيس رؤساء الكنائس الشرقية واللبنانية الى روما، الشهر الماضي، في رسالة واضحة عنوانها الكف عن استخدام لبنان لمصالح خارجية ولمنافع شخصية من قِبل المجموعة الحاكمة المستبدة داخلياً.
 
لقد فعّل الفاتيكان ماكينته الدبلوماسية لمساندة لبنان، ولدعم مبادرة البطريرك مار بشارة بطرس الراعي الداعية الى حياد لبنان، والتي لاقت تخوين "حزب الله" وماكينته، لا سيّما عندما تحدّث البطريرك الراعي عن اتفاقية الهدنة بين لبنان وإسرائيل. فجماعة "حزب الله" يخشون أكثر ما يخشون أن تنتفي حاجة تسليم سلاحهم الى الدولة اللبنانية، لأن استمرار النزاع مع إسرائيل يبرّر لهم المقاومة.
 
القرار 1701 الذي يلتزمه "حزب الله" ويشكّل أرضية التفاهم وقواعد الاشتباك بينه وبين اسرائيل، وفي فقرته العاملة الخامسة، ينص على أن مجلس الأمن الدولي "يعيد تأكيد دعمه القوي لسلامة أراضي لبنان وسيادته واستقلاله السياسي ضمن حدوده المعترف بها دولياً، كما تصوّرتها اتفاقية الهدنة الإسرائيلية - اللبنانية في 23 نيسان (أبريل) 1949". فأين الخيانة؟ وأين الخطيئة؟ وأين الدول الأوروبية الصامتة على كل هذا والمرتعِبة من إيران ووكلائها؟
 
الرئيس بايدن الذي سيستقبل البطريرك الراعي مُطالب بالدفاع علناً وجهراً عن حق لبنان التمسك باتفاقية الهدنة، حرصاً على حقوقه وحقّه بالحياد. مطالب بألّا يقبع في ظل شركائه من الأوروبيين الجدد وارتمائهم في أحضان إيران و"حزب الله"، في نهاية المطاف.
 
الرئيس بوتين قادر على التأثير في حليفه في دمشق بشار الأسد، ليردّ على سلسلة رسائل من الأمم المتحدة تطرح سؤالاً واضحاً: لمن تعود ملكيّة مزارع شبعا، لسوريا أم للبنان؟ هذه المراوغة السورية تخدم المراوغة الإيرانية وأجندة "حزب الله". فليتفضّل بوتين ويقدّم خدمة للبنان وسوريا من  مجرد إجابةٍ للأسد عن سؤال الأمم المتحدة، وهكذا نعرف مسؤولية مَن هي تحرير مزارع شبعا الواقعة ضمن نطاق عمليات القوات الدولية لفك الاشتباك بين سوريا وإسرائيل.
 
الفاتيكان مشكور جداً لأنه يؤدّي دوره الروحاني والأخلاقي في وجه الدول الكبرى المتواطئة، لكن فرملته للعقوبات الأوروبية خوفاً من أن تطال القيادات المسيحية في لبنان ليست موفّقة. المطلوب منه الكفّ عن هذه الفرملة لتطال العقوبات رجال السلطة والاستبداد الفاسدين، بغضّ النظر إن كانوا مسيحيين أو مسلمين. حاجة لبنان اليوم ليست للفرملة بل لتفعيل العقوبات الأوروبية والأميركية وتصويبها، بدعم من الفاتيكان.
في وسع الفاتيكان تأمين مظلة الغطاء للبطريرك الراعي عبر استخدام نفوذ البابا وماكينة الفاتيكان الدبلوماسية لدى الأُسرة الدولية. فالبطريرك الراعي مكشوف اليوم ومعرّض للإساءة والتخوين، ومن الضروري أن يتبنّى رجال الدين المسيحيون من الشرق طرح البطريرك كي لا يُعَد طرح حياد لبنان فقط لبطريرك الموارنة.
 
وليت بابا الفاتيكان يبلّغ القيادات الأوروبية وكذلك الرئيس بايدن، أن الهوس بالاتفاقية النووية مع إيران لا يبرّر التواطؤ مع أجندة الجمهورية الإسلامية الإيرانية للبنان بشراكة روسية - صينية. "الدبلوماسية الكاثوليكية" تجمع البابا ببايدن، وفي وسع الفاتيكان التأثير، إذا عقد العزم على ذلك. المهم تفعيل آلية النفوذ والماكينة الدبلوماسية بزخم متطلبات الساعة التي تقترب عقاربها من موعد التفجير التام للبنان، كنظام مالي وكسيادة وكتعايش، كي يتسلّمه الحرس الثوري الإيراني ليعيد صوغه على نموذجه في طهران.
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم