إعلان

إيران إذ تخشى الودّ مع السّعودية!

المصدر: النهار العربي
محمد قواص
علما السعودية وإيران
علما السعودية وإيران
A+ A-
للرياض حيثياتها السّياسية التي تدفعها للشروع في تمارين الحوار مع طهران. ما كان همهمات حول ورشة من هذا النوع في بغداد، بات حقيقة تؤكدها تلميحات المنابر الرسمية في العراق وتصريحات المنابر الدبلوماسية الرسمية في البلدين. ولئن تُفتح قناة التواصل على نحو مواز للمفاوضات الجارية في فيينا حول إعادة تفعيل الاتفاق النووي، فإن أمر نجاح تلك المفاوضات وفشلها سيدلي بدلو وازن على طبيعة ومواد الحوار السعودي - الإيراني.

لطهران أيضاً حيثياتها وأسبابها في العبور نحو خيار التسويات السياسية مع الرياض وعواصم الخليج. غير أنه يصعب على المراقب حسن قراءة العوامل الدقيقة التي قد تدفع إيران جدياً للحوار مع السعودية. الأمر لا يلتحق بأي نضج أو تحوّل ملموس في عقيدة نظام الجمهورية الإسلامية، كما أنه غير متأثر بأي مستجد نوعي طرأ على تركيبة هذا النظام وهوية قياداته. فما زال الولي الفقيه نفسه يمسك بناصية القرار، وما زال الحرس الثوري وفروعه في السياسة والاقتصاد تسطو على نهج البلد، ناهيك من توقعات بأن يسقط منصب الرئاسة في انتخابات الشهر المقبل في يد المعسكر الموصوف متشدداً في البلد.

يفسر العداء العقائدي الإيراني للسعودية الأسباب التي أدت  بالرياض إلى قطع العلاقات الدبلوماسية مع طهران في كانون الثاني (يناير) 2016، أي بعد 5 أشهر فقط من اتفاق فيينا النووي. يبدو  الأمر أكثر صدقية من المواقف التي تطلقها طهران هذه الأيام حول الترحيب بالتعاون والود والحوار. ولئن تأتي تلك التصريحات الإيجابية من وزارة الخارجية ومن الناطق باسمها، فإن التسريبات الشهيرة الأخيرة للوزير محمد جواد ظريف توضح بما لا لبس فيه أن قرار البلد، في المدّ والجزر، بالتالي في القطع والوصل، لا تقرره وزارة ظريف ولا رئاسة حسن روحاني.

على هذا، فإن للحوار من الجهة السعودية عنواناً واحداً تقرره سلطة معروفة شفافة في التعبير عن سياسات المملكة وخيارات الرياض. فإذا ما ذهب ولي العهد الأمير محمد بن سلمان إلى الإعلان عن رغبة سعودية في نسج علاقات ودّ مع إيران، فذلك يحسم إرادة في هذا الشأن، بحيث يبقى على الطرف الإيراني المعني أن يعبّر من جهته، بالفعل لا بالقول، عن إرادة جادة في إنجاز ذلك. 

بيد أن إيران، وفق صيغة حكمها الحالي ومضامين أدبيات نظامها لا يمكن أن تكون كذلك ولن تكون.
 
ويكاد ولي العهد السعودي يقترح لعلاقات طبيعية مع إيران شروطاً تعجيزية لا قدرة لإيران على تحقيقها. قال إن "كل ما نطمح إليه هو علاقة جيدة مع إيران. لا نريد أن يكون وضع إيران صعباً، بل نريدها أن تكون مزدهرة. لدينا مصالح مشتركة. مشكلتنا مع سلوك إيران السلبي". وحول هذا السلوك رأى أن المعضلة تكمن في دعم إيران للميليشيات الخارجة عن القانون وبرنامجها النووي وبرنامج الصواريخ البالستية كمجالات مثيرة للقلق. باختصار، فإن السعودية تطالب بعلاقات طبيعية كما العلاقات بين الدول العادية.

لا تستطيع إيران أن تكون دولة طبيعية عادية شأنها شأن بقية دول العالم والمنطقة. في الأساس، ومنذ روح الله الخميني تأسست الجمهورية الإسلامية في هذا البلد لتقيم نظاماً لا يمكن بنيوياً أن يستمر إلا على قاعدة الصراع المستمر مع المحيط والعالم. كان بمقدور إيران، بعد الاتفاق النووي في فيينا قبل 6 سنوات، أن تمدّ سبل الوصل السياسي والاقتصادي مع العالم أجمع، وتتحول إلى بلد مستقر مزدهر جاذب للاستثمارات. كان بإمكانها أن تنخرط في خطة تنموية استراتيجية بحيث يمتلك البلد أحدث البنى التحتية والجامعية، وتتطور داخله قطاعات الصناعة والزراعة والصحة والبحث العلمي.

لكن ما لزومية نظام "الثورة" وولاية الفقيه إذا كانت مهماته تتركز، كما مهمات أي حكم طبيعي، على التنمية والازدهار والسّلم؟ وكيف يمكن لجمهورية "المرشد" والحرس الثوري وفيلق القدس أن يطمئن إلى سلطة وثروة ونفوذ وديمومة إذا ما توقفت عن الاستمرار في ممارسة عقيدة الأخطبوط التي تقوم على مدّ أذرع طهران للزعم يوماً بسطوتها على أربع عواصم عربية.

يقفل الوئام المفترض بين إيران والسعودية مدارس شيطنة المملكة داخل خطاب النظام في طهران. يعطّل الأمر ديناميات الشقاق المذهبي الذي ما فتئت طهران تجهد لتسعيره. يربك الودّ والتعاون بين طهران والرياض كل عقائد الممانعة كما خرائط تصنيفها القيمي للسعودية والخليج كما بقية دول المنطقة. وفي ذلك خطر خبيث على أمن "النظام الثوري" على نحو لا يمكن التهاون مع احتماله. فماذا بإمكان النظام في إيران أن يبيع للإيرانيين ومعسكره الممانع في المنطقة بعد ذلك؟

يتأسس منطق السعودية، بالنسخة التي شرحها ولي العهد، على قاعدة عدم القبول برواج الميليشيات في البلدان المحاورة. يتأسس منطق تطبيع العلاقات مع إيران على مسلمة إزالة ما تسببه طهران من أضرار في الأمن والاستقرار لدول المنطقة. وتتأسس أبجديات قيام هذه العلاقات على غياب كبائر الاستقواء.

تستقوي طهران بمفاوضات فيينا مع عواصم العالم الكبرى، بحيث تكون مآلات هذه المفاوضات، حتى في حال فشلها، مكوّن طبخ تستخدمه في طبق حوارها مع الرياض. تستقوي طهران بما تمتلكه من نفوذ في لبنان وسوريا والعراق وما تشكله من تهديد مستمر للأراضي السعودية من خلال صواريخ ومسيّرات مصنّعة في إيران تطلقها ميليشيات الحوثي من اليمن.

لن تتخلى طهران عن مكتسباتها الإقليمية، ولا تريد من الحوار مع السعودية إلا تأكيد أمر هذه المكتسبات وجعلها من بديهيات المشهد الجيوستراتيجي في المنطقة. ولا ينهل أمر الموقف من الحوار من وجهة نظر سياسية معادية لمبدأ العلاقة الممتازة مع إيران، بل إن ترجيح فشل الحوار مع إيران يتأسس على حقائق واقعية تتعلق ببنية نظام طهران وآليات تشغيله. والحال أن طهران ستنخرط في الحوار مع الرياض على أن لا تصل نتائجه إلى ما يتمناه ولي العهد السعودي، ذلك أن النظام في إيران منذ قيامه عام 1979 لا يستطيع ذلك، وهو يسقط ويموت إذا ما تحوّل إلى نظام عادي لا يسطو على المحيط ويحترم أصول الجيرة والتعاون والسّلم معها.
الكلمات الدالة