إعلان

إسرائيل المقسّمة في فلسطين

المصدر: النهار العربي
غسان زقطان
مواجهات في باب العمود
مواجهات في باب العمود
A+ A-
يبدو الأمر في فلسطين كما لو أن بوابة انفتحت وخرج جيل كامل من الفلسطينيين وركض في شوارع وميادين المدن والبلدات الفلسطينية من دون التوقف أمام الخطوط التي حفرتها التواريخ السياسية من نكبة 1948 أو هزيمة 1967، كما لو أن الاعلام يعود الى عشية عام 48، ويتناقل اخبار المواجهات في اللّد ويافا وحيفا وطبريا والناصرة وعكا والقدس وغزة. ليس ثمة حدود في الأخبار بين نابلس والرملة والخليل وسخنين ورام الله وأم الفحم او جنين وكفر قاسم، الخريطة الفلسطينية التي ظهرت في الاعلام خلال الأيام القليلة الماضية هي الخريطة التي تم تمزيقها صبيحة النكبة وطي بقاياها منذ سبعة عقود.
 
هذا ليس مجازاً أو استدراجاً لنوع من الحماسة التي يستدعيها سماع ومشاهدة انفجارات القذائف في تل أبيب من حي الطيرة في رام الله، ولكنه قراءة بسيطة لما يتداوله الاعلام الإسرائيلي نفسه في ما يشبه توصيفاً مذهولا للحدث.
 
المخاوف المشروعة التي أبداها بعض الناشطين حول مخاطر التدخل العسكري من غزة، وتوجيه الرأي العام وموجة التعاطف مع القدس ومواجهات باب العمود والأقصى وحي الشيخ جرّاح الى التركيز على المواجهة العسكرية بين جيش الاحتلال و"حماس" و"الجهاد" في غزة، هذه المخاوف، كما اتضح كانت نوعاً من المبالغة الآتية من مرحلة تبدو الآن سابقة، بينما تتجمع على الأرض ظروف ومكونات جديدة لمرحلة قيد الإنشاء.
 
يصعب التنبؤ بنتائج نهائية للمواجهة الدائرة في فلسطين، وليس ثمة مؤشرات قياس واضحة للوصول الى هذه النتائج، ولم يعد ممكناً للاحتلال الحصول على هذه النتائج بحساب أرقام القتلى والبيوت المهدمة والبنى التحتية التى يجري تحطيمها والاستعراضات النارية لسلاح الجو. تغيّر الأمر، ليس بفعل "الصواريخ"، رغم دورها وقدرتها على اثارة الحماسة، ولكن من خلال قرار المبادرة للدخول في المواجهة نفسه، وربط القرار بالتحرك الشعبي السلمي في القدس، وكسر الحاجز النفسي الذي كرّسه الاحتلال بين الجزر الفلسطينية الثلاث، القدس والضفة وغزة، وعبر الدخول العريض للفلسطينيين في مناطق الـ48 على خط المواجهة، الجزيرة الرابعة للجغرافية الفلسطينية، بحيث بدت إسرائيل من زاوية للمشهد ولوهلة سريعة، ولكنها واضحة، مقسّمة في فلسطين.
 
والأهم هو "التحديث" الواسع لوسائل المقاومة وتكاملها والفئات المشاركة فيها.
ولكن يمكن حساب نتائج مبكرة لهذه الجولة، نتائج ستواصل حضورها بقوة خلال المراحل المقبلة، وستشكل مكونات أي تحرك مقبل، لعل أهم مظاهرها، التي بدت مثل طقوس تحت الكاميرات في مدرج "باب العمود" على وجه الخصوص، أقرب الى عملية تسليم وتسلّم تجري بين الأجيال الفلسطينية، من درجات باب العمود الى الأقصى والشيخ جرّاح الى اللد وعكا وحيفا ويافا وأم الفحم والناصرة وسخنين، الى الضفة وغزة. ومنها أن "إسرائيل" أكثر هشاشة مما تبدو وأن الاحتلال مليء بالثغرات والادعاء.
 
من النتائج المبكرة أيضاً يمكن احتساب تآكل دور النخبة السياسية في السلطة الفلسطينية، وتحرك قواعد فتح العريضة خارج مظلتها وبرنامجها السياسي، وخارج تعاليم وارشادات القيادة التي بدت مصدومة وغير قادرة على مواكبة المتغيرات، ما عزز عزلتها ووضح عجزها عن التعامل مع الشارع.
 
ثمة ضحايا متروكة إضافة الى "القبة الحديدية" ويمكن تبين هيئاتها، فصائل زائدة عن الحاجة وبرامج سياسية مستنفذة ولم تعد صالحة للاستعمال، أفكار وخطابات ولغة مستهلكة فقدت ذاكرتها، وجوه ومسميات تائهة على المنعطف الكبير الذي يظهر الآن.
الكلمات الدالة