إعلان

موسكو تستبق سورياً وواشنطن لن تهرع إيرانياً

المصدر: النهار العربي
راغدة درغام
راغدة درغام
محمد بن زايد وسيرغي لافروف. أ ف ب
محمد بن زايد وسيرغي لافروف. أ ف ب
A+ A-
تريد روسيا أن تستبق إدارة جو بايدن في منطقة الخليج وفي ملف سوريا لصياغة سياسات تستفيد بموجبها من التبعثر الأميركي وتبني على التشوّق في صفوف الدول العربية الخليجية لتوازنٍ في علاقاتها الأميركية عبر البوّابتين الصينية والروسية. الرئيس الأميركي جو بايدن يوحي أنه يريد إعادة ضبط reset علاقات الولايات المتحدة مع الدول الخليجية العربية ومصر وغيرها على وقع التطوّرات في إعادة إرساء العلاقة الأميركية -  الإيرانية. الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يرى في هذه الفترة الزمنية - الى حين صوغ واشنطن سياساتها بوضوح - فرصةً لتشجيع وحشد الدعم للتوجّه شرقاً pivot east الذي يدعو اليه البعض.
 
فالاستياء يتزايد مما يبدو استهتاراً بالعلاقات الأميركية - الخليجية في صفوف إدارة بايدن وتقنيناً لهذه العلاقات في المرتبة الثانية لأولوية العلاقات مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية. انه استياء وليس استعداداً لتمزيق أواصر العلاقات المهمّة بين الولايات المتحدة والدول الخليجيّة العربية. إنما مجرّد اهتزاز الثقة والارتياح الى العلاقة مع واشنطن في الصفوف الخليجية شكّل لدى موسكو فرصةً لصقل توجّهات وسياسات حملها وزير الخارجية المخضرم سيرغي لافروف هذا الأسبوع الى دولة الإمارات العربية والسعودية وقطر في زيارة استخدم فيها أدوات سحره charm وحزمه المعروفة.
 
حمل لافروف معه في جولته الخليجية عناوين عدّة ذات علاقة بتوطيد العلاقات الثنائية، السياسية والاقتصادية والنفطية وغيرها. تحدّث لافروف مع المسؤولين الخليجيين عن إيران والمفاوضات النووية وموقف روسيا بأنه يجب الاكتفاء بسياسة الخطوتين أو المرحلتين: الأولى وهي العودة غير المشروطة الى الاتفاق النووي JCPOA بمعزل واستقلالية عن المفاوضات حول الصواريخ الباليستية وعن تناول السلوك الإيراني الإقليمي. في هذا الملف، كانت المساحة الشاسعة واضحة في المواقف الروسية الرافضة عملياً للطروحات الخليجية بما فيها مشاركة الدول الخليجية في المفاوضات على مستقبل المنطقة الأمني. فموسكو تصرّ على استبعاد الدول الخليجية، باستثناء عبر المؤتمر الأمني الذي تقترحه لموعد لاحق وليس عبر جلوس هذه الدول الى طاولة المفاوضات في شأن الاتفاقية النووية والصواريخ الباليستية والسلوك الإقليمي لإيران.
 
تحدّث لافروف في محطته السعودية عن ضرورة التفاهم بين السعودية وإيران واستعداد موسكو للعب دور في هذا الإطار. إنما مشكلة الدبلوماسية الروسية، بحسب اعترافها، تكمن في حليفها الميداني الإيراني الذي تعتبره "صعباً" فيما تعتبر الأطراف العربية "أكثر مرونة" كما وصفها دبلوماسي روسي سابق. ولذلك تتوجه الدبلوماسية الروسية الى العواصم الخليجية للحصول على المرونة والتنازلات في مختلف الملفات.
 
سوريا تصدّرت ما حمله سيرغي لافروف معه في جولته الخليجية بصفتها مسألة إقليمية رئيسية لروسيا وبالذات للرئيس فلاديمير بوتين الذي يرى أن لا مناص من تحقيق اختراق في المسألة السورية، وإلا الكارثة، حسبما نقلت عنه مصادر مقرّبة من تفكيره.
 
الاختراق المنشود يتمثل في نجاح مساعي موسكو لإقناع الدول العربية بضرورة عودة سوريا الى البيت العربي رسمياً عبر جامعة الدول العربية، وذلك بهدف تحقيق التأهيل الرسمي لاستمرار بشار الأسد رئيساً سوريّاً مُعترفاً به عربياً ودولياً. فموسكو قرّرت أن لا مجال لها للتخلّي عن الأسد كمفتاح لطموحاتها في سوريا. ولافروف جعل من هذا الأمر دعوةً ملحّةً لقادة الدول الخليجية عبر بوابة عودة سوريا الى جامعة الدول العربية.
 
ثانياً، يتطلّب الاختراق المنشود حصول موسكو على تعهدات خليجية بالتزامات ملموسة لإعادة تأهيل سوريا بحد ذاتها، أي عبر ضخ أموال إعادة الإعمار بلا شروط أو قيود.
وهنا تبرز المسألة الثالثة، وهي دفع الدول الخليجية الى العمل لدى واشنطن على إلغاء تطبيق "قانون قيصر" في سوريا علماً أنه أدّى الى فرض العقوبات على كبار الشخصيات بتهمة ارتكاب جرائم فظيعة في سوريا. إلغاء هذا القانون يفتح الباب أمام الشركات الكبرى للعودة الى سوريا. أما استمراره، فإنه يكبّل القطاع الحكومي والقطاع الخاص ويعطّل مساعي موسكو لحشد الدعم المالي لإعادة بناء سوريا.
 
فبدون هذا الاختراق بأبعاده الثلاثة، تخشى روسيا أن تنجرّ الى مشروع مستنقع يورّطها في سوريا. القيادة الروسية استنتجت ان أفضل السّبل لتجنّب الإنزلاق هو الدول الخليجية. وقد حدث أن مواقفها في مسألة إعادة تأهيل سوريا بشار الأسد في البيت العربي تتلاقى مع المواقف الإماراتية. وهذا ما دفع وزير الخارجية الشيخ عبدالله بن زايد الى التحدّث علناً في مؤتمره الصحافي مع نظيره الروسي عن عودةٍ ودورٍ لسوريا في الجامعة العربية "كضرورة"، وقال: "إن التحدّي الأساسي الذي يواجه التنسيق والعمل المشترك في سوريا هو قانون قيصر لحماية المدنيين في سوريا". وأضاف أن "قانون قيصر يعقِّد" عملية التعاون في سوريا أمام الدول والقطاع الخاص "واني أؤمن أيضاً أن علينا أن نجري محادثات واضحة في هذا الصدد مع أصدقائنا في الولايات المتحدة".
 
سفير دولة الإمارات لدى واشنطن يوسف العتيبة أكّد خلال مشاركته في الدائرة الافتراضية رقم 30 لقمّة بيروت انستيتيوت في أبو ظبي "أننا نسعى وراء إعادة انخراط سوريا. إنما كيف نحقق تجديد الانخراط، وكيف نتجنّب عدم التجاوز في مسألة قانون قيصر... هي أمور نتحدّث حولها حالياً مع الأميركيين".
 
 
في محطته السعودية حصل لافروف على "انفتاح على البحث" في إعادة تأهيل بشار الأسد شرط إحراز تقدّم في عملية الحل السياسي، بالذات في مسألة اللجنة الدستورية. لكن الطرف السعودي تبلّغ من الطرف الروسي أن عناد بشار الأسد لن يسمح بإنجاز في هذا المجال.
 
رغم ذلك، لمس الطرف الروسي من الطرف السعودي "تحوّلاً في الموقف نحو سوريا" كما أكدت مصادر سعودية "إنما هناك حاجة الى المزيد من العمل والى تنسيق مع الجانب الأميركي". ثم أن السعودية لم توافق روسيا على فكرة العمل ضد "قانون قيصر". أما في ما يخص طروحات روسيا حول إيران ودورها في سوريا، "نحن نشكّك" قال مصدر سعودي في "جدّيّة" الطروحات الروسية حول تقليص التواجد الإيراني في سوريا.
 
إدارة بايدن لن تنبطح أمام الأولويات الروسية في سوريا ولن تهرول الى دعم إلغاء قانون قيصر، ليس فقط لأنه قانون أصدره الكونغرس ويتعلق بالمحاسبة على جرائم ضد الإنسانية وبحماية المدنيين، وإنما أيضاً لأن إلغاء قيصر يقع في المصلحة الروسية بالدرجة الأولى. لذلك، من المستبعد أن تسهّل إدارة بايدن على الكرملين إعادة تأهيل الأسد عبر إعادة إعمار سوريا برعاية روسية.
 
لكن الأوروبيين قد يلبّوا الدعوة الروسية. مستشار الأمن القومي السابق والسفير البريطاني الأسبق لدى الأمم المتحدة، مارك ليال غرانت، شارك في الحلقة الافتراضية لقمة بيروت انستيتيوت، وقال: "نحن في أوروبا واقعيون ونعترف أن بشار الأسد هنا وباقٍ. لقد قُتِل 600 ألف شخص وروسيا تتحمّل جزءاً كبيراً من اللوم. وأنا أفهم تماماً لماذا يسعى قادة عرب لإعادة سوريا الى البيت (العربي)، ولا أعتقد ان أوروبا ستمانع ذلك". رأيه أن إيران ليست المسؤولة عن المجازر والقتل الجماعي في سوريا "أعني انهم أدوا دوراً، لكنهم ليسوا الشيطان الأساسي" في سوريا.
 
رد دانيال بليتكا، من مؤسسة "أميركان انتربرايز انستيتوت"، كان لاذعاً، إذ قالت: "ليس هناك أية منظمة تعنى بحقوق الإنسان، من اليسار أو اليمين، المعارضة أو الداعمة، لا تعتقد أن إيران هي الروح والفاعل وراء الكثير مما حصل في سوريا منذ آذار (مارس) 2011، لجهة القتل الجماعي للشعب السوري".
 
فيتالي ناومكن الخبير الروسي المخضرم في شؤون الشرق الأوسط، إعتبر أن قانون قيصر "ليس موجّهاً ضد الأسد أو طبقة النخبة الحاكمة التي لا تعاني من العقوبات وإنما ضد الذين يعيشون في الأراضي تحت سيطرة دمشق". رأيه ان العرب باتوا أكثر "واقعية" في موضوع سوريا وغيره، وقال إن زيارة لافروف الى الإمارات والسعودية وقطر "تطوّر إيجابي جداً" إنما روسيا لا تتدخّل بخيارات هذه الدول وعلاقاتها مع الولايات المتحدة إنْ كان لجهة التواجد الأميركي في الخليج أو العلاقات الأمنية.
 
السفير يوسف العتيبة شدّد على "استمرار التزامنا التحالف مع الولايات المتّحدة مئة في المئة. إنما في الوقت ذاته هناك نقاش يتميز بالانفصام". توجّه الى الأميركيين قائلاً: "ما تقولونه للعالم منذ سنوات هو أن المنطقة أقل أهمية عندكم. حسناً، هذا نقاش صحي، لكنه نقاش استقطاب. ثم لا يمكنكم أن تتوقّعوا من أيّ كان أن يبقى في انتظاركم فيما تقولون لهم انهم أصبحوا أقل أهمية لديكم". تابع: "نعم، بكل تأكيد، إننا أكثر استقلالية" الآن بالرغم من العلاقة "التي لا مثيل لها مع الولايات المتحدة"، الأمنية منها والدفاعية. وأضاف، أن توطيد أواصر العلاقات الثنائية مع الصين وروسيا، على أهميتها، "لا تشكّل" انعطافةً شرقاً pivot to the east، وأن هناك "دينامية" جديدة في المنطقة.
 
هذه الدينامية الجديدة لا تسري بالضرورة على المعادلات السياسية التقليدية. فروسيا أرادت تحسين أوراق اعتمادها لدى الدول الخليجية العربية والتموضع لديها قبل بدء الزيارات الأميركية الرفيعة المستوى - من زيارة محتملة للرئيس بايدن الى زيارة وزراء في الإدارة الجديدة. على الصعيد العملي، يريد الرئيس فلاديمير بوتين إنهاء الصراع في سوريا وإعادة البناء إنما من دون خسارة الأسد. يريد طمأنة الدول الخليجية العربية إنما من دون الضغط على إيران كي تتوقف عن سلوكها الإقليمي الإستفزازي والعدواني في الدول العربية.
 
إسرائيل عزيزة على الرئيس بوتين وهي طلبت منه أن يقدّم اليها ضمانات تكون روسيا مسؤولة عنها لجهة عدم قيام إيران بأفعال استفزازية ضدها- لكن موسكو ردّت أنه ليس في وسعها أن تتحمّل مسؤولية ضمانات كهذه.
 
أما الولايات المتحدة، فإنها ما زالت في صدد صياغة خياراتها ويبدو أنها، كما قال الموفد الأميركي الخاص الى إيران روبرت مالي، لن "تهرع" للتفاوض مع إيران لتتوصل بأي ثمن الى تفاهمات معها. كما أن وزير الخارجية انطوني بلينكن تعهّد أمام الكونغرس بعدم انجاز اتفاق مع إيران إلا بعد التشاور مع الكونغرس ومع الحلفاء.
 
كل الخيوط مشتبكة في هذه المرحلة الانتقالية التي تؤرق طهران وموسكو والعواصم العربية. فواشنطن، حتى الآن، ما زالت في مقعد القيادة.
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم