إعلان

شيء يشبه النّسيان

المصدر: النهار العربي
غسان زقطان
غسان زقطان
السفيرة الجديدة لدى طهران تؤدي القسم أمام الرئيس محمود عباس
السفيرة الجديدة لدى طهران تؤدي القسم أمام الرئيس محمود عباس
A+ A-
يمنح القرار الرئاسي في فلسطين تعيين ابنة أحد السفراء في موقع والدها السفير الذي تقاعد أخيراً عن 85 عاماً، قضى نصفها تقريباً سفيراً لفلسطين في طهران، فرصة فهم واقع السلطة الفلسطينية وطرقها في التعامل مع الشأن العام. الحقيقة أن المفاجأة لم تكن في تعيين ابنة السفير في عملية "توريث دبلوماسي" معلنة كما جرت العادة، بقدر ما هي في اكتشاف أن هناك سفارة لفلسطين في إيران، وهي سفارة صامتة ومتحفظة، عاش خلالها سفير لمدة أربعة عقود كاملة في مبنى غامض يدبر شؤوناً غامضة، عابراً لقوانين التقاعد الطبيعية أو تلك المعمول بها في الأعراف الدبلوماسية، شيء يشبه النسيان أو إغماءة طويلة لكل شيء، المعايير والقوانين والزمن.

يفتح القرار نافذة لتأمل الواقع الذي آلت اليه مؤسسات السلطة وآليات اتخاذ القرارات، كما تكشف النافذة جانباً من المصير الغريب الذي وصلت اليه مؤسسات منظمة التحرير، تحديداً شبكة السفارات المنتشرة في العالم كمبالغة غير مفهومة أو مبررة، الشبكة المتهالكة التي تشمل مناطق بلا جاليات وبلا حضور فلسطيني، ودولاً لا تأثير لها في الشأن الفلسطيني، بحيث تحوّل هذا الجيش من "الدبلوماسيين" غير المؤهلين، في الغالب، الى عبء مالي ووظيفي، من دون مردود وطني أو سياسي أو ثقافي أو اقتصادي، كتل لا تتنفس ونقاط على الخرائط وفي بيانات الموازنات، الموازنات التي تشمل امتيازات مكلفة ومصاريف من أجور وأبنية ونثريات، وأشباح بعيدة تصلها الموازنات ولا يصلها بريد المركز ولا تبعث ببريدها، أشباح تحوّلت حقيبتها الدبلوماسية الى حقيبة عائلية، بينما تتعثر السلطة من أزمة مالية الى أخرى، وتقتطع من رواتب الموظفين والمعلمين والجهاز الصحي لتغلق ثغرات الأزمة. قبل فترة اضطرت لصرف نصف الراتب، وقد أنهت العام الماضي ودخلت العام الحالي بصرف 75% و80% من الرواتب، هذا إذا تم تجاوز الأخطاء الضارة التي ارتكبها بعض هؤلاء المبعوثين، عبر تقديم نماذج غير مسؤولة بسبب الجهل أحياناً وبسبب سوء التصرف والإدارة أحياناً أخرى. ستنتهي حقبة المؤسسين من الشباب والمثقفين والمتطوعين التي اندفعت عبر سبعينات القرن الماضي الى حالة من الفوضى والتشوش والارتجال، ليتحول الأمر بمعظمه الى هامش  للرزق وتوفير الرفاهية الشخصية. هذا تقريبا الانطباع الشعبي الذي خلّفته صورة السفيرة/ الوريثة وهي تؤدي القسم أمام الرئيس الفلسطيني ومدير الصندوق القومي وأحد المستشارين.
 
أزمة السفراء الفلسطينيين والعاملين في الجهاز الدبلوماسي كانت موجودة دائماً، أزمة معايير وكفاءة وعدالة في توزيع الفرص، ولكنها تتفاقم منذ منتصف الثمانينات، وقد وصلت الى ذروتها خلال الهجوم الإسرائيلي الأخير على غزة، وخلال المواجهة التي لم تتوقف في حي الشيخ جراح وسلوان وأحياء القدس، وصولاً الى مواجهات "بيتا" المحتدمة في الشمال و"مسافر يطا" في الجنوب. 
 
لقد ظهر هذا الجسم المفكك والمترهل في ذروة الحاجة اليه، عاجزاً ومثيراً للشفقة، وساهم الأداء المحزن لبعض ممثليه في الإضرار بالرواية الفلسطينية وصورة الفلسطيني في مخيلة العالم.
 
ليس الأمر في فساد الجهاز فقط، ولكن في الإصرار على الفساد ورعايته وتحصينه بمراسيم.
 
بين 2003 و2005 حاول وزير الخارجية ناصر القدوة في حكومة أحمد قريع أن يعيد ترتيب وزارة الخارجية، فوضع قانون الخدمة أربع سنوات، وتم تحديد سن التقاعد عند 65 سنة، وربط العمل الدبلوماسي بالمنجز الثقافي وشبكة منظمات المجتمع المدني وتجسير العلاقات مع الجاليات عبر خطط مدروسة لكل ساحة، كما عقد مؤتمراً للسفراء ومديري المكاتب لمناقشة واقع العمل الدبلوماسي وسبل تطويره وترشيقه.... الى آخر جدول الإصلاحات ذاك، ولكن الحرس القديم وبعض انتهازيي الحرس الجديد استطاعوا تجفيف تلك القوانين والقضاء على الفكرة بمجرد استقالة تلك الحكومة.
 
الحقيقة أن سلسلة الأخطاء والتجاوزات ستبدو أقل تأثيراً من فكرة الاحتفاء "الخبر" و"الصورة"، وإعلان ذلك ضمن القنوات الرسمية وسط أزمة ثقة شبه كاملة مع الناس. هذا بالضبط عكس بأمانة طريقة تعامل السلطة مع الشارع في أمور كثيرة، من الحريات الشخصية والحق في التعبير، الى التوجه السياسي وأساليب المواجهة مع الاحتلال، الى اختراق الجهاز القضائي، الى العبث الاقتصادي، الى جدول التعيينات برمّته، وصولاً الى الانتخابات وملفها الذي طُوي تماماً.
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم