إعلان

أزمة اليمن في بعديها الإقليمي والدولي ستشكل تحدياً لإدارة بايدن وسياسته في المنطقة

المصدر: النهار العربي
رياض قهوجي  
مسلحون من جماعة "أنصار الله" الحوثية يلتقطون سيلفي وسط صنعاء.رويترز
مسلحون من جماعة "أنصار الله" الحوثية يلتقطون سيلفي وسط صنعاء.رويترز
A+ A-
 تشكل الأزمة في اليمن أهم تحد يواجه المجتمع الدولي اليوم نظراً لموقعه الجغرافي المطل على أهم معبرين دوليين – مضيق هرمز ومضيق باب المندب – حيث تمر مئات السفن وناقلات النفط يومياً بين الشرق والغرب. فالأزمة اليمنية لا تشكل مشكلة إقليمية فحسب، بل لها بعد أمني دولي، خاصة مع امتلاك الميليشيات الحوثية لصواريخ وألغام مضادة للسفن حصلت عليها من حليفها الاستراتيجي إيران لتستخدم بغرض ابتزاز المجتمع الدولي عامة، والغرب خاصة. ولقد استُهدفت سفن قرب مضيق باب المندب أكثر من مرة خلال السنوات الأربع الماضية من قبل ميليشيات الحوثي. كما عُثر على ألغام بحرية قرب السواحل اليمنية المطلة على البحر الأحمر. هذا في وقت تستمر الحرب في اليمن بين التحالف العربي الذي تقوده السعودية والميليشيات الحوثية التي كانت أطاحت حكومة عبد ربه منصور هادي عام 2015، وسيطرت عسكرياً على الأراضي اليمينة قبل أن يتم طردها من أجزاء كبيرة منها.
 
ويواجه المجتمع الدولي، وتحديداً القوى الغربية، مشكلة في تعريف الأزمة في اليمن ومقاربتها بفعالية. فهو من جهة يعتبرها حرباً أهلية وينتقد التدخل العربي بها، ومن جهة أخرى يصطدم بواقع الدور الإيراني القوي والمؤثر على الحوادث هناك عبر الحوثيين. ويعاني سكان اليمن من جراء الحرب وآثارها على الأوضاع الاقتصادية والمعيشية والتي زاد وباء كورونا من آثارها. ولقد نجحت الجهود السعودية والخليجية مؤخراً في توحيد صفوف القوى السياسية اليمنية المعارضة للحوثيين وتشكيل حكومة جديدة انتقلت الى عدن لممارسة مهامها. هذا في وقت لا يزال الوسيط الدولي يعمل جاهداً للتوصل الى وقف لإطلاق النار يسمح بانطلاق مفاوضات سلام فعلية تنهي الأزمة هناك. لكن الأمور في اليمن ليست بهذه السهولة، وباتت جزءاً من المشروع الإيراني الكبير للهيمنة على المنطقة.
 
كشفت كميات الأسلحة التي اعترضتها سفن البحرية الأميركية والدولية المحيطة بالسواحل اليمينة حجم الدعم الإيراني العسكري للحوثيين. كما أظهرت بقايا الصواريخ البالستية والطائرات من دون طيار التي أطلقها الحوثيون باتجاه السعودية خلال السنوات الماضية أن مصدرها إيران، وذلك باعتراف محققين دوليين كشفوا عليها. كما أن المسؤولين الإيرانيين أعلنوا أكثر من مرة عن دعمهم للحوثيين في اليمن واعتبروا صنعاء آخر العواصم العربية التي سيطرت طهران عليها. 
 
وتعتبر الأزمة اليمنية أحد الملفات الأساسية التي تمتلكها طهران اليوم، وتستخدمها عند الحاجة على طاولة المفاوضات مع واشنطن والغرب. إلا أن دور التحالف العربي يفرض نفسه. وحسب الكاتب والباحث السعودي الدكتور خالد الدخيل، فإن الرياض لن تقبل بأن يكون على حدودها حالة تشبه وجود "حزب الله" على الحدود الإسرائيلية، بحيث يقوم الحوثي بتهديد الأراضي السعودية بهدف استنزاف المملكة وابتزازها لمصلحة إيران.
 
لقد كان رفض السعودية للوجود الحوثي المسلح على حدودها جلياً منذ اليوم الأول لسقوط صنعاء عام 2015، عندما بدأت عمليات التحالف العربي في اليمن، حتى من دون دعم أميركي وغربي سياسي أو عسكري في حينه. فلم تنتظر السعودية وشركاؤها في دول الخليج أي مباركة أو دعم سياسي من إدارة الرئيس باراك أوباما التي كانت تهادن وتساير طهران من أجل الاتفاق النووي، وبدأت العمليات العسكرية بشكل فاجأ البنتاغون. ولقد استمرت الحرب برغم توقعات مراقبين ومسؤولين دوليين بأن تتراجع السعودية عن هذه الخطوة بعد فترة وجيزة من انطلاق الهجوم الجوي. لكن الغرب أساء في حينه تقدير حجم التهديد الذي شعرت به الرياض ودول خليجية أخرى من سيطرة الحوثيين على اليمن وارتباطهم بإيران. وجاء تهديد الحوثيين للملاحة البحرية ليغيّر في مواقف العديد من الدول، وتحديداً واشنطن، التي قدمت دعماً عسكرياً خلال إدارة الرئيس دونالد ترامب. 
وأعلن وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو عن إدراج ميليشيا الحوثيين على قائمة المنظمات الإرهابية الدولية، الأمر الذي أحدث صدمة لإيران والقيادة الحوثية، وحتى في بعض العواصم الأوروبية التي تنتظر استلام إدارة الرئيس المنتخب جو بايدن لزمام السلطة في واشنطن للبدء في تحسين الأجواء المتأزمة مع طهران. لكن هذه الخطوة الأميركية لم تأت في هذا الوقت تحديداً إرضاءً لدول الخليج بل استجابة لطلب إسرائيل التي بدأت تستشعر التهديد من الميليشيات الحوثية التي تهدّد بقصفها. وإدراج ميليشيا الحوثيين على قائمة الإرهاب سيعطي شرعية لأي عمليات أميركية تستهدف قادتها كونهم باتوا يحملون التصنيف ذاته الذي يحمله زعماء "داعش" و"القاعدة". كما يحرم هذا التصنيف الميليشيا وقياداتها ومكوّناتها من استخدام النظام المصرفي العالمي ويزيد من الحصار الدولي عليها. 
 
الجميع بانتظار معرفة كيف ستقارب إدارة بايدن الأمور والأزمات في المنطقة، خاصة تلك المرتبطة بإيران، ومنها مصير اليمن. وتظهر الترشيحات الأخيرة التي أعلنها بايدن لتشغل المناصب الأساسية في إدارته عن توجه جديد للسياسية الخارجية الأميركية سيختلف كثيراً عن سياسة ترامب، لكنه لن يكون بالضرورة مشابهاً أو مطابقاً لسياسات أوباما. 
وآخر التعيينات كانت لمنصب مدير وكالة الاستخبارات المركزية والتي ذهبت للسفير ويليام بيرنز الذي كان قد قاد المفاوضات السرية مع إيران خلال إدارة أوباما والتي أفضت الى الاتفاق النووي. وتلعب هذه الوكالة دوراً أساسياً في رسم وتنفيذ السياسة الخارجية الأميركية، وهي من تشرف على عمليات الاغتيال ضد قادة المنظمات الإرهابية. هذا يعني أن مدير "سي آي إي" سيكون رجلاً يعرف شخصيات نافذة في إيران ويملك خبرة في التفاوض مع طهران، أي مدرك للذهنية الإيرانية. 
لكن الوضع في اليمن لم يعد كما كان عليه خلال إدارة أوباما والانقلاب الحوثي. والأمر نفسه ينطبق على أمور وأزمات عدة تشغل المنطقة والعالم اليوم. تشير المعطيات إلى أن بايدن سيستبدل سياسة الضغط القصوى لترامب بسياسة التفاوض المباشر، ولكن إدارته ستكون مسلحة بحزمة كبيرة من العقوبات التي فرضتها إدارة ترامب، والتي ستوفر لفريق التفاوض الأميركي مركزاً قوياً للمساومة مع طهران. كما أن التطبيع العربي مع إسرائيل سيشكل عائقاً أمام أي محاولة للوصول إلى اتفاق مع طهران يتجاهل سياسة طهران التوسعية بالمنطقة. 
التأثير الإيراني الكبير على الأزمات في كل من العراق وسوريا ولبنان واليمن وحتى أفغانستان لم يعد خافياً على أحد، وتداعياته لم تعد تعني دول المنطقة فقط، بل باتت مصدر قلق عالمياً وتهديداً للأمن الدولي. تهديد الملاحة من إيران ووكلائها في مضيقي هرمز وباب المندب يستدعي جهداً مشتركاً إقليمياً ودولياً. كما أن معاناة اليمنيين وصلت الى مستويات خطيرة تتطلب ضغوطاً دولية أكبر لإنهاء هذا الصراع مع الأخذ بعين الاعتبار أهمية أمن الملاحة الدولية وأمن الحدود السعودية. 
         
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم