إعلان

أبو الخيزران في الباراغواي...!

المصدر: النهار العربي
عادل بن حمزة
عادل بن حمزة
"رجال في الشمس" لغسان كنفاني
"رجال في الشمس" لغسان كنفاني
A+ A-
أبو الخيزران هو أحد أهم شخصيات رائعة الروائي الفلسطيني، الشهيد غسان كنفاني "رجال في الشمس"، وهي رواية تحكي قصة ثلاثة فلسطينيين من أجيال مختلفة قرروا لأسباب شخصية أن يبحثوا عن أفق أفضل لهم ولأسرهم من خلال الهروب إلى الكويت عن طريق البصرة، ونظراً لظروفهم المادية الصعبة، فإنهم فضّلوا الهروب في خزان ماء صدئ يقوده فلسطيني اسمه أبو الخيزران، وهو رجل مصاب بعجز جنسي نتيجة مشاركته في حرب 1948 التي سُميت نتائجها بـ"النكسة"، حيث توسعت إسرائيل في الأراضي العربية في سيناء والجولان والضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية. أبو الخيزران صوّر للثلاثة أبو قيس، أسعد ومروان، أن الرحلة آمنة وأنهم سينزلون إلى الخزان في النقطة الحدودية لسبع دقائق فقط وبعدها يجدون أنفسهم في فردوس الكويت. 
 
القدر سطّر مصيراً آخرَ، ففي النقطة الحدودية تأخر أبو الخيزران عشرين دقيقة، لأن موظفي شرطة الحدود  ظلوا يمازحونه مستفسرين عن سبب تأخره في البصرة، رابطين ذلك بليالي البصرة ونسائها، طالبين منه، بسخرية، الاعتراف بمغامراته النسائية هناك وهم لا يدركون أنه رجل مخصي... في تلك اللحظات كان الثلاثة (أبو قيس، أسعد ومروان) داخل الخزان يختنقون بحرارة تزيد عن خمسين درجة خارج الخزان أردتهم جثثاً هامدة، فكانت نهايتهم في مزبلة على أطراف الكويت. هنا طرح أبو الخيزران السؤال القفل في الرواية، لماذا لم يدقوا على جدران الخزان؟ وهو سؤال يفتح على أسئلة كبيرة في رواية نجح فيها غسان كنفاني في توظيف الرموز توظيفاً كبيراً.
 
بين رواية "رجال في الشمس" والواقع، كانت هناك قصص كثيرة للاجئين والمهاجرين غير النظاميين، لكنها لم تكن جميعها ترتبط بالهروب من الاحتلال والحروب، بل أيضاً من الواقع الاقتصادي والاجتماعي المأزوم في عدد من بلدان الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وهذه المرة كانت القصص أكثر بشاعة حتى مما تصوره غسان كنفاني. 
 
قبل أيام كشف مكتب النائب العام والإعلام في الباراغواي، عن وجود جثث محللة لسبعة مهاجرين غير نظاميين في حاوية للسلع بحي "سانتا ماريا" في العاصمة "أسونثيو"، تلك الحاويات كانت قادمة من صربيا وقد خرجت منها يوم 21 تموز (يوليو) عابرة دولاً عدة، لذلك يُرجح أن الضحايا ماتوا في الطريق بسبب الاختناق. وقال النائب العام في "أسونثيو" إن الضحايا كانوا يعتقدون أنهم سيصمدون لكن الرحلة كانت طويلة... 
 
جريدة "أخبار اليوم" المغربية في تحقيقها في الحادثة، توصّلت بإفادات من مهاجر جزائري يدعى إسماعيل كان يتشارك السكن مع الضحايا في مدينة "شيد" الصربية التي هي على الحدود مع كرواتيا، أكد فيها أن المهاجرين السبعة اختاروا "الرحلة الخطأ" إلى إيطاليا. يقول إسماعيل: "عادة القطار المتوجّه إلى إيطاليا يمر من تلك السكة ويدخل كرواتيا ثم سلوفاكيا، وصولاً إلى إيطاليا، لكن القطار الذي كانوا على متنه توجه مباشرة إلى ميناء كرواتيا... كانوا يعتقدون أن الرحلة قد تطول يومين أو ثلاثة، لكنها للأسف استغرقت ثلاثة أشهر من صربيا ثم كرواتيا ومصر وإسبانيا وصولاً إلى البراغواي". 
 
كتب إسماعيل في حسابه على "فيسبوك": "الله أكبر... ببالغ الحزن والأسى تلقينا خبر العثور على جثث إخوتنا وأصدقائنا الذين اختفوا منذ ثلاثة أشهر في رحلة بالقطار من صربيا، ليُعثر عليهم في الباراغواي. 7 شباب من الجزائر والمغرب ومصر لقوا حتفهم في مأساة مروعة... إنا لله وإنا إليه راجعون". 
 
هكذا وحّد المصير المؤلم شباباً من المغرب والجزائر ومصر، وهم يبحثون عن خلاصهم الفردي في مواجهة واقع الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية في بلدانهم، شباب لم يشهدوا الوحدة قيد حياتهم بل تشاركوها وهم يلفظون أنفاسهم الأخيرة حتى من دون أن يعرفوا الوجهة التي أخذهم إليها القدر، فيتحوّل الفردوس المنشود في إيطاليا أو إسبانيا إلى مجرد ثلاجة للموتى في عاصمة الباراغواي. هل يحق لنا أن نعيد طرح سؤال أبو الخيزران "لماذا لم يدقوا على جدران الحاوية؟"، أم أن ذلك صار عبثياً وبلا جدوى؟ 
 
حادثة المهاجرين السبعة مجرد قصة مؤلمة أخرى لا يبدو أنها ستغير شيئاً في واقع منطقة تلفظ شبابها بأكثر الصّور بشاعة، من دون أن يرف لها جفن ولا أن تمتلك شجاعة الاعتراف والبحث عن مسارات تحمي ما تبقى من أمل لدى أجيال مختلفة، تعتبر عند الآخرين ثروة ومفخرة حقيقية، بينما هي في بلداننا مجرد أرقام جثث مؤجلة...
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم