إعلان

أردوغان ... من صفر مشاكل إلى كل المشاكل

المصدر: النهار العربي
خيرالله خيرالله
خيرالله خيرالله
يحن أردوغان الى زمن الغزو والفتوحات
يحن أردوغان الى زمن الغزو والفتوحات
A+ A-
ليس هناك أهمّ من زعيم بلد يعرف حدوده في ظلّ موازين القوى الإقليمية والدولية. زعيم من هذا النوع، يعرف حجمه وإمكاناته ويعرف تماماً أنّ المطلوب في كلّ وقت الاهتمام بكل مواطن من مواطنيه، قبل أيّ شيء آخر.
 
المهّم أن زعيم البلد الذي يعرف نفسه، إنّما يعرف أين الحدود التي يتوجّب عليه الوقوف عندها بدل البحث عن أمجاد الماضي التي لن يستطيع استعادتها بأيّ شكل. تلك مأساة تركيا في الوقت الحاضر، تركيا التي يقف على رأسها رجب طيّب أردوغان. إذا كان من إنجاز حقّقه أردوغان، فهذا الإنجاز يتمثّل في تحويل تركيا من بلد يسعى الى أن يكون ذا صفر مشاكل مع محيطه الى بلد كلّ المشاكل مع هذا المحيط، لا فارق إذا كان المحيط قريباً أو بعيداً. هناك بكلّ بساطة رئيس تركي في بحث مستمرّ عن المشاكل في حين يفترض به الاهتمام بتركيا نفسها وبالمواطن التركي.
 
ما الذي تفعله تركيا في أذربيجان؟ لماذا أرسلت مرتزقة سوريين الى هذا البلد لمقاتلة الأرمن المطالبين باستقلال أقليم ناغورني كاراباخ والذين يشكّلون أكثرية فيه؟ السؤال محيّر بالفعل. ولكن مع أردوغان لا مجال للحيرة رغم أنّ موضوع ناغورني كاراباخ في غاية التعقيد.
 
هناك أرض يفترض أن تكون تابعة لأرمينيا، بسبب تركيبتها السكّانية، لكنها تابعة لأذربيجان. هذه الأرض فيها أكثرية أرمنية في بلد مسلم أكثرية سكانه من الشيعة الأذاريين الذين ينتمون عرقياً الى المجموعة التركية.
 
كان كلّ شيء تحت السيطرة في أذربيجان وأرمينيا في ظلّ الاتحاد السوفياتي. لكن الأمور تغيّرت كلياً مع انفراطه مطلع العام 1991. استوجب ذلك اعتبار إقليم ناغورني كاراباخ نفسه مستقلّاً عن أذربيجان، علماً أنّ أذربيجان تعتبر الأرض التي يقوم عليها هذا الإقليم جزءاً لا يتجزّأ منها. المفارقة أن روسيا تدعم أرمينيا والأرمن، كذلك تفعل إيران رغم أن مسلمي أذربيجان من الشيعة، لكنّهم اختاروا تغليب قوميتهم الأذارية ببعدها التركي على المذهب الذي ينتمون إليه.
 
اختلط الحابل بالنابل في أذربيجان وإقليم ناغورني كاراباخ. جاءت تركيا لتزيد الوضع تعقيداً وتدخل على خطّ تهجير الأرمن من الإقليم في ظلّ سعيها الى التمدّد في الجمهوريات الإسلامية التي كانت في الماضي القريب جزءاً من الاتحاد السوفياتي. فتح أردوغان جروحاً قديمة. أعاد الى الواجهة المجزرة الأرمنية مطلع القرن الماضي.
 
في الإمكان استخدام العقل من أجل إيجاد تسوية في ما يخصّ ناغورني كاراباخ. كان يمكن لتركيا لعب دور الدولة الحكيمة الساعية الى تفادي حرب لا فائدة منها. لكنها اختارت الوقوف مع العائلة الحاكمة في أذربيجان (عائلة علييف) مذ كانت أذربيجان جمهورية من جمهوريات الاتحاد السوفياتي، السعيد الذكر.
 
إنْ دلّ التصرّف التركي على شيء، فإنّما يدلّ على تصرّفات هوجاء بكلّ معنى الكلمة. تصبّ هذه التصرفات في إثبات أن تركيا تريد أن تكون قوّة إقليمية مهيمنة قادرة على استعادة أمجاد الدولة العثمانية. يهدف أردوغان الى تأكيد أن تركيا تستطيع وراثة الاتحاد السوفياتي في قسم كبير من الجمهوريات الإسلامية التي كانت تابعة له، وذلك من منطلق قومي. فالبعد القومي التركي، لعب دوره في التقارب مع أذربيجان وأبطل العامل الشيعي الذي كان مفترضاً أن يربط أذربيجان، الغنيّة بالنفط، بإيران.
 
اختارت تركيا المواجهة في كلّ مكان من منطلق أنها قادرة على ذلك. لا يقتصر سعيها الى التمدّد على الجمهوريات الإسلامية السوفياتية (سابقاً). ذهبت الى ليبيا مستعينة بمرتزقة سوريين، تماماً كما فعلت في أذربيجان.
 
ليس مضموناً أن يفيد ذلك أردوغان في شيء في المدى الطويل. في نهاية المطاف، لا تمتلك تركيا الوسائل التي تمكّنها من تنفيذ السياسة التي يحلم بها رجب طيب أردوغان، وهي سياسة قائمة على التمرّد على معاهدة لوزان للعام 1923. لن تستطيع تركيا المسّ باليونان، على سبيل المثال وليس الحصر، لا لشيء سوى لأن اليونان دولة عضو في الاتحاد الأوروبي قبل أيّ شيء. المسّ باليونان هو مسّ بالاتحاد الاوروبي. لن يتعرّض أحد للوجود العسكري التركي في قبرص، وهو وجود عائد الى العام 1974، كما أنّه وليد ظروف خاصة به سبقت انضمام قبرص الى الاتحاد الأوروبي...
 
الأكيد أن تركيا باقية في جزء من شمال سوريا. سيكون احتلالها لهذا الجزء مشروعاً الى حدّ ما في ضوء انهيار الدولة التي كان اسمها "الجمهورية العربيّة السورية". لكن الذهاب الى أبعد من ذلك سيكون صعباً. لن يكون هذا الذهاب سوى تعبير عن أزمة عميقة في الداخل التركي حيث رئيس للجمهورية قرّر حصر كلّ السلطات به من دون أن يدرك بعض البديهيات. من بين هذه البديهيات الفشل المسبق في الرهان على أنّ ليس في استطاعة تركيا الاستفادة من الخلاف الفرنسي - الإيطالي في شأن ليبيا. جاءت إيطاليا لتؤكّد أخيراً أنّ ليبيا أولوية بالنسبة اليها وأنّها جزء من مجالها الحيوي في المتوسّط.
 
ليس رجب طيّب أردوغان الأوّل ولن يكون الأخير من بين زعماء دول العالم الثالث الذين يجهلون كيف يعمل العالم وأن هناك فارقاً بين ما كانت عليه الدولة العثمانية في الماضي وما هي عليه تركيا الآن. قد يكون هذا الجهل عائداً الى انتماء الرجل الى مدرسة "الإخوان المسلمين" التي لا علاقة لها بلغة العصر والمنطق ولا بأصول التعاطي بين الدول.
 
من الآن الى أن يصحو الرئيس التركي ويدرك أن سلوكه سيجلب الويلات على تركيا، سيتسبب في كوارث كثيرة في المنطقة. سيندم عندما لا يعود نفع من الندم.

الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم