إعلان

الذباب الإلكتروني والحالة العربية

المصدر: النهار العربي
د.خالد باطرفي
د.خالد باطرفي
المعكرونة بالسلمون المُدخَّن.
المعكرونة بالسلمون المُدخَّن.
A+ A-
ماهو العامل المشترك بين المبيدات الكيمائية والذباب الإلكتروني؟ 
 
كلها رخيصة، كلها مؤذية وكلها مرتدة على مستخدمها.
 
تعودنا كعرب في مرحلة الاستعمار وما بعده أن تكون مشاركتنا في الحضارة الإنسانية مشاركة المستهلك للمنتجات الحديثة بنهم وسوء فهم. لا أريد أن أعمم، ولكن كثيراً منا يسيء استخدام أفضل ما أنتجه العالم فيخرجه عن هدفه المفيد، ويبدع في اكتشاف أسوأ الاستخدامات له.
 
ووسائل الإتصال الرقمي من خلال التطبيقات الرقمية، من أفضل ما أبدعه العقل البشري، بهدف تسهيل التواصل العملي والشخصي، الجماعي والفردي. فبتكلفة لا تتجاوز اشتراك النت وقيمة جهاز محمول، تستطيع أن تؤدي عملك وتحضر فصولك الدراسية وتجري معاملاتك البنكية والحكومية وتراسل قريبك المسافر، وصديقك البعيد، وتشارك في محادثات جماعية مع أحبتك وأسرتك من دون أن تغادر مقعدك المريح في غرفة المعيشة. 
 
وبذلك تحقق إنجازات كثيرة في وقت قصير، وتجد بعدها الوقت الكافي للاطلاع على أحدث الأخبار والمعلومات في مجال عملك واهتمامك، وتبدي رأيك في الشأن العام، وتقدم للعالم إبداعاتك الأدبية والفنية والعلمية، ثم تقرأ كتاباً رقمياً أو تشاهد مسلسلاً درامياً أو فيلماً وثائقياً. كل هذا خلال ساعات فقط من مساحة اليوم الواحد. 
 
ربما تعود أبناؤنا هذه الهبات التقنية، وحسبوا أنها أمر مفروغ منه، ولكننا، نحن الذين عشنا قبل الثورة الرقمية في السنوات الثلاثين الماضية، وتطبيقات التواصل الاجتماعي في العقدين الماضيين، ندرك أننا نعيش عالماً جديداً، لم يتحقق لنا أو لآبائنا وأجدادنا من قبل. ومازال بعضنا يتذكر كم كان جهاز الفاكس نقلة حضارية هائلة لعالمنا، والكمبيوتر جهازاً متطوراً لاستخدامات حكومية وتجارية خاصة، وهاتف السيارة رمزاً للثروة والسلطة والمكانة. 
 
ثم جاءت شبكة الإنترنت والحاسوب الشخصي والهاتف الذكي لتغير كل المعادلات والمفاهيم، وخلال وقت قصير، وبشكل غير مسبوق في تاريخنا. فقد أصبح الخيال حقيقة، وأصبحت القدرة على الوصول إلى شبكة تربط مليارات البشر في كافة أصقاع المعمورة متاحة للغني والفقير، الجاهل والمتعلم، الصغير والكبير. وبات لكل صاحب رأي وموهبة وفكر، منبر كوني مفتوح يستطيع من خلاله أن يناقش ويعبر، يعلم ويتعلم، بلا رقيب أو حسيب. مثله في ذلك مثل العالم الشهير والمفكر الكبير، وصوته مسموع كصوت السياسي والصحافي، وأعماله تنشر وتذاع وترى بدون الحاجة إلى قناة تلفزيونية أو إذاعية، وبإمكان الناجح منا أن يصبح في ظرف يوم وليلة من كبار المشاهير. 
 
كل هذا تطور عظيم يحقق للبشرية أحلاماً عمرها آلاف السنين. فقد أصبح بإمكان أي منا أن يتجاوز السحاب وأن يصل النجوم وأن يحلق من علٍ على العالم ويتواصل مع الخلق مهما كان قدره ومكانته في محيطه. وفي ذلك منتهى العدالة والمساواة في الاستفادة من الفرص وبلوغ الحلم وتحقيق الذات. 
 
ولكن، كعادة البشر، وطبع العرب، تحولت هذه الأدوات المذهلة عند الملايين منا إلى وسيلة لتفريغ الشحنات النفسية السلبية، وهدم إنجازات الآخرين، والتنابذ بالألقاب، وإشاعة الفاحشة، والتفاخر بالأنساب والألقاب، والنصب والسلب، وإيقاظ الفتن الطائفية والعنصرية والمذهبية. 
 
و"الذباب الإلكتروني" هو أحد هذه الاستخدامات المتخلفة لأعظم المنجزات الإنسانية. فدول كبرى وصغرى، كروسيا والصين والهند وإيران وقطر فطنت إلى قوة هذا الجيش الإلكتروني، فاستخدمته في غزو العالم بالنصب والاحتيال تارة، وبالتدخل في الانتخابات وإثارة القلاقل والصراعات ونشر الأخبار الزائفة تارة أخرى. وتشكلت في بلدان أخرى كردة فعل جيوش مماثلة بعضها يدار باليد الخفية للدول والجماعات العقائدية والتجارية والفكرية والسياسية، وبعضها جماهيرية لا قيادة لها ولا توجيه، تحركها المشاعر الوطنية والدينية غالباً، وتنشط في أوقات الحروب والمنافسات الدولية والصراعات الداخلية. ولا يختلف الحال في بلداننا العربية، ولكن بفارق هام، هو أن أكثرنا مستهلكون لا منتجون، مقلدون لا مبدعون، وأن ما يشغل الآخرون به أوقات فراغهم يشغل أوقاتنا كلها. 
 
وليت هذا فحسب، بل إن الغلبة في الاستخدام تكاد تنحصر في أسوأ أشكاله. وتويتر وفيسبوك وتيك توك وواتس آب، على سبيل المثال لا الحصر، أصبحت متنفساً لكل صاحب مشكلة نفسية، أو أحقاد شخصية، أو منازعة فكرية، فاشتد الخلاف حتى صرفنا عن قضايا التنمية والبناء، التحرير والتطور، النهضة والوحدة القومية. ولا شك عندي أن أعداء الأمة يساهمون بقوة في إذكاء هذه الصراعات وتشجيع هذه الاتجاهات المدمرة. فما أسهل من السيطرة على بلدان تفتقد وحدة الصف والهدف والمنظور. ولا أربح من التجارة في أدوات الهدم والحرب، والمنتجات الاستهلاكية، لشعوب تأكل مما لا تزرع وتعمل بما لم تصنع، وتلبس مما لا تخيط. 
 
لا أعرف ماهو الحل، ولكني أدرك أن المشكلة بحاجة إلى التفاته عربية، حكومية وحقوقية وأكاديمية، وإلى دراسات علمية، وقوانين صارمة، وأنظمة عامة وطنية وقومية لتقنين هذه الظاهرة وحماية الوحدة الوطنية والقومية، والحقوق الفردية والجماعية للطوائف والأقليات من تنمر الذباب الإلكتروني وتعدياته على الحقوق والكرامة الإنسانية. 
 
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم