إعلان

عزاء في مالطا...!

المصدر: النهار العربي
عادل بن حمزة
عادل بن حمزة
العاهل المغربي الراحل الملك الحسن الثاني
العاهل المغربي الراحل الملك الحسن الثاني
A+ A-

خلد المغرب نهاية الشهر الماضي الذكرى الثانية والعشرين لرحيل الملك الحسن الثاني، وفي زحمة الحوادث المتواترة التي يعرفها المغرب، فإن الذكرى لم تحظ كفاية بما تستحقه لما تحفل به من معان ودلالات، خاصة أن ما نشهده اليوم، هو شديد الصلة بما تحقق من توافق بين القوى الوطنية والراحل الحسن الثاني، إذ بعد كل هذه السنوات، التي تمثل اليوم جيلا كاملا، استطاع المغرب أن يضع قطار الديموقراطية على السكة، ورغم بعض الحوادث هنا وهناك، يمكن القول إن التجربة المغربية تبقى حالة خاصة في المنطقة، لا هي بمثالية أو نموذج يمكن تعميمه، لكنها تبقى تجربة خاصة تسعى إلى تحقيق تراكم نوعي وبناء التوازن بين الشرط الاقتصادي والشرط السياسي وعلاقتهما بالطلب الاجتماعي، وهو ما يوفر لها كل الشروط لتكون دولة ديموقراطية مكتملة البناء، ذلك أن الديموقراطية كانت هي الهدف منذ حصول المغرب على الاستقلال، معنى ذلك أن قياس فترات الحكم، ليست بأهمية السنوات بل بالمنجز الديموقراطي على الأرض.

 شاءت الصدف أن أغادر المغرب ليلة وفاة الراحل الحسن الثاني يوم 23 تموز (يوليو) 1999 في اتجاه فاليتا عاصمة مالطا، وذلك للمشاركة في الجامعة الصيفية والمؤتمر السنوي لاتحاد الطلبة الديموقراطيين الأوروبيين، وشاءت الصدف أيضاً أن يتحول العرض الذي كنت سأقدمه رفقة الأخت مونية غولام عضو المجلس الوطني للشبيبة الاستقلالية آنذاك بخصوص تجربة التناوب التي كان المغرب يمر بسنواتها الأولى، إلى أهم عرض في المؤتمر بحضور ممثلين عن الأحزاب الشعبية الأوروبية وفريقها في البرلمان الأوروبي ووزراء بكل من إسبانيا ومالطا وألمانيا وفرنسا، وشاءت الصدف مرة أخرى أن يقف المشاركون جميعاً دقيقة صمت ترحماً على الملك الحسن الثاني، وأن يخصص لنا المنظمون جناحاً خاصاً في الفندق لنتقبل تعازي الوفود المشاركة من كل أنحاء العالم...

كنت ساعتها شاباً بلغت بالكاد 23 سنة، لم ألتق أبدا بالراحل الحسن الثاني، لكنني وجدت نفسي فجأة أتلقى العزاء في رحيله من أكثر من أربعين جنسية عبر العالم، يومها تأكدت كيف يُدرك العالم أن الملكية في المغرب ليست فقط النظام السياسي للحكم بل هي جزء أصيل وعلامة على الهوية المغربية الضاربة في جذور التاريخ، وأن ثقلها وتأثيرها يتجاوز البعد السياسي إلى البعد الاجتماعي والثقافي.. بل إن المنظمين عرضوا علي إلغاء كل الأنشطة الموازية للمؤتمر والتي كانت تتضمن سهرات فنية، فأجبتهم بلباقة شاكراً، وطلبت منهم أن يحافظوا على فقرات برنامج المؤتمر كما هي، مع تفهم عدم مشاركتنا كوفد مغربي فيها.

اليوم بعد كل هذه السنوات، يبدو المغرب في حلة أخرى مختلفة عن السابق، تحققت أشياء كثيرة لا يمكن سوى لجاحد أن ينكرها، لكن في الطريق كانت هناك حوادث سير وكان هناك تردد لا نملك أن ننفيه، ولعل أسوأ ما حدث خلال السنوات الأخيرة هو إغراء العودة إلى تنشيط ممارسات من الماضي، ما جعل الشك يتسرب إلى النفوس محل اليقين الذي ترسخ فيها لفترة طويلة، كما أن الآليات التي وضعها الملك الراحل للحكم، ظلت مستقرة وثابتة وإن بوجوه جديدة تختلف مساراتها ورؤيتها للدولة والمجتمع، عن الرؤية التي حكمت جيل الحسن الثاني. 

مرت مياه كثيرة تحت جسر المملكة، وعرف محيطها الإقليمي والجهوي تحولات عميقة لا زالت ممتدة إلى اليوم، كما أنها تجاوزت منعطفات حادة كادت تكون لها نتائج وخيمة، فتحمل الجميع مسؤوليته لتجنيب البلاد ذلك المصير، فأضحى الاستقرار في محيط إقليمي وجهوي عرف اضطرابات وتحولات عميقة، عنواناً للاستثناء المغربي في المنطقة، وحتى عملية التحول الديموقراطي البطيئة، أصبحت جزءاً من الخصوصية المغربية، ومقبولة إلى حد كبير من طيف واسع من الطبقة السياسية، وأن هناك مجالات كثيرة للسلطة ليست موضع نقاش أو مطالب...، لكن مع ذلك لم يتقدم المغرب في المسار الديموقراطي بالشكل الذي يوازي ويعادل ما يتوفر عليه من تراكمات ووعي جماعي بالحاجة إلى الدخول النهائي إلى نادي الدول الديموقراطية الصاعدة، وذلك رغم المقدمات التي كانت مبهرة وتحمل بين طياتها عرضاً سياسياً واقتصادياً متكاملاً وواعداً، وهو ما لم يعد بالإمكان الإقرار به اليوم، إذ إن كثيراً من الاختيارات الاقتصادية والتنموية أضحت موضوع مراجعة من أعلى سلطة في البلاد. 

لقد حقق المغرب خلال العشرين سنة الأخيرة، منجزات ومشاريع لم تتحقق منذ الاستقلال، لكن يبقى السؤال عن أثرها الاجتماعي ومدى استفادة أوسع فئات المجتمع من ثمارها هو أبرز الأسئلة المقلقة، فإذا كان بالإمكان تمديد زمن انتظار تحقق الديموقراطية الكاملة دون حوادث جانبية، فإن ذلك لا ينجح دائماً عندما يكون التحدي اجتماعياً واقتصادياً مع ما يصادف ذلك من تحولات عميقة على المستوى الدولي وحالة عدم استقرار في جوارنا الاستراتيجي، وما يحدث في تونس خير مثال، فهل يكون الوعي بهذه التحديات مدخلاً إلى مرحلة جديدة، خاصة أن البلاد تفصلها عن انتخابات حاسمة أيام قليلة؟
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم