إعلان

النيل والسد وطائر النهضة!

المصدر: النهار العربي
محمد صلاح
محمد صلاح
النيل وسدالنهضة الإثيوبي
النيل وسدالنهضة الإثيوبي
A+ A-
كثيرة هي التحليلات التي تبحث أو تتناول الرد المصري المتوقع تجاه الموقف الإثيوبي من قضية سد النهضة بعدما فشل مجلس الأمن في حسم الخلاف أو ممارسة أي ضغط على إثيوبيا أو إجبارها للتوقيع على اتفاق قانوني ملزم يضمن الحقوق المائية لمصر والسودان. وتبارى من تطلق عليهم القنوات التلفزيونية صفة الخبراء الاستراتيجيين في شرح سيناريوات الحلول العسكرية المتاحة أو تلك التي يتعين على الجيش المصري تنفيذها لتعطيل السد أو هدمه أو إلحاق الضرر الذي يدفع بإثيوبيا الى طلب التفاوض!
 
وما بين توجيه ضربة صاروخية الى توربينات السد المولدة للكهرباء، إلى احتلال المنطقة المحيطة بواسطة كوماندوز مصريين والتحكم في ادارة السد، دارت توقعات الاستراتيجيين، أما المحلل الاستراتيجي الذي اقترح هدم جزء من السد لإلحاق الضرر به من دون التسبب في إغراق أجزاء من السودان فاعتقد أن اقتراحه كفيل بدفع إثيوبيا الى طلب التفاوض من جديد والرضوخ للمطالب المصرية والسودانية. صحيح أن بعضهم لم يفته التعرض الى ردود الفعل الدولية والإقليمية بعد ضرب السد أو احتلاله، إلا أن الاقتراحات كلها ركزت على ثقل مصر والقوة العسكرية المصرية والقدرات العالية التي يتمتع بها الجيش المصري.
 
كل هذا وارد، إذ إن القضية بالفعل مهمة وتستحوذ على اهتمام المصريين باعتبارها مسألة مصيرية، كما يهتم بها العرب من محبي مصر وداعميها والراغبين في تحقيق الخير لأهلها. لكن على الجانب الآخر كان هناك "الإخوان" وقادة وعناصر ذلك التنظيم الإرهابي الذي لم يفت أي فرصة إلا واستغلها للنيل من الحكم في مصر وإلحاق الضرر بالمصريين، ولم يخلف التنظيم عادته مدعوماً بمنصات إعلامية تنفق عليها قطر ومنظمات حقوقية ومراكز بحثية غربية لترسيخ صورة انطباعية مفادها أن الحكم في مصر فرّط في حقوق مصر من مياه النيل، وأن الرئيس عبد الفتاح السيسي ورط شعبه في خلاف مع إثيوبيا، من دون أي إشارة بالطبع الى الاجتماع السري الفضيحة الذي عقده الرئيس "الإخواني" محمد مرسي أثناء السنة التي حكم فيها "الإخوان" مصر في حضور رموز من حلفاء الجماعة وقادتها وجرى بثه على الهواء مباشرة وتكلم خلاله مرسي وباقي الحضور ليرى الناس كيف كانت تدار مصر ومدى العشوائية التي تعاطى بها "الإخوان" مع قضية سد النهضة وتسببهم في استفحالها.
 
لكن سلوك "الإخوان" وداعميهم رغم كونه سلوكاً مؤذياً إلا ان تأثيره الحقيقي لا يتعدى مستوى السخرية من المفردات التي تستخدمها منصات التنظيم الاعلامية وخطابه السياسي الركيك، حتى أن المصريين صاروا يتعاطون مع مواقف "الإخوان" في أزمات كتلك باعتبارها من الأمور التي تخفف من وطأة كل معضلة وأي مشكلة لما تحويه من أفكار تعكس فقر ذلك التنظيم وسذاجة قادته، حتى أن بعض المصريين كثيراً ما يربطون بين سد النهضة ومشروع النهضة الذي أعلن عنه "الإخوان" بعدما قفزوا الى مقاعد السلطة في مصر باعتباره خطة لتحقيق التنمية في البلاد، وحين سئل محمد مرسي حينذاك عن تفاصيله رد بأنه مثل الطائر له مقدمة وجسم ومؤخرة!
 
عموماً لا يبدو أن المصريين قلقون من أنهم سيواجهون مشكلة كبيرة مستقبلاً في موضوع المياه، ويثقون بأن المياه ستظل تتدفق في نهر النيل، وبينما يتابعون الخطاب السياسي للدولة وتصريحات الرئيس السيسي حول الموضوع يزدادون ثقة في أن لدى الدولة خطة للتعاطي حتى مع التعنت الإثيوبي، وأن الخيارات المتاحة مع حساب ردود الفعل وتأثيرات كل خيار منها خضعت لدراسات وتدقيق، أما عنصر الوقت، فالأجهزة المصرية تدرك أن الملء الثاني لن ينتهي قبل حزيران (يونيو) من السنة المقبلة لكن الأهم أنه سيظل محدوداً بالمقارنة بما كان مخططاً عند بداية المشروع، إذ أن الفشل في تعلية الممر الأوسط في السد جعل أكبر حجم للمياه عند انتهاء الملء الثاني لن يتخطى التسعة مليارات متر مكعب بينما كان المشروع يهدف الى تحقيق أكثر من 18 مليار متر مكعب. وعلى ذلك، فإن التهديد المحتمل بغرق السودان لن يكتمل قبل منتصف السنة المقبلة 2022 ما يجعل الخيار العسكري وارداً حتى ذلك التاريخ، وحتى وإن شعرت القاهرة بالخذلان من مواقف بعض الدول في اجتماع مجلس الأمن إلا أن الحل السياسي يظل احتمالاً ورداً اذا ما تبدلت المصالح او تغيرت المعطيات أو ادرك المجتمع الدولي انه ليس امام قضية حدودية يمكن معالجتها بالتقادم او بمزيد من الوقت، وأن النيل بالنسبة إلى المصريين ليس مجرد مجرى مائي أو نهر عابر للحدود او نهر دولي وإنما شريان للحياة.
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم