إعلان

بايدن يواجه أوّل معمودية دم بين إسرائيل والفلسطينيين

المصدر: النهار العربي
واشنطن- هشام ملحم
الرئيس الأميركي جو بايدن. أ ف ب
الرئيس الأميركي جو بايدن. أ ف ب
A+ A-

أظهرت ادارة الرئيس جوزف بايدن منذ استلامها للحكم، بإجراءاتها وتصريحات كبار المسؤولين فيها انها لن تضع مسألة احياء "عملية السلام" بين الفلسطينيين واسرائيل في طليعة أولوياتها في الشرق الاوسط. الرئيس بايدن سارع الى تعيين مبعوث خاص لإنهاء حرب اليمن، ومبعوث خاص لاستئناف المفاوضات مع ايران، وقبل اسابيع عين مبعوثا خاصا لمنطقة القرن الافريقي، وقبل ايام عين مبعوثا خاصا لمعالجة الازمة الليبية. وكان من اللافت انه لم يعين مبعوثا خاصا لاحياء المفاوضات الفلسطينية الاسرائيلية المجمدة منذ سنوات، مقارنة بما فعله الرئيس الاسبق باراك اوباما الذي عين مبعوثا خاصا لحل هذا النزاع (السناتور المتقاعد جورج ميتشل) في اليوم الثاني على وصوله الى البيت الابيض.

 

تردد الرئيس بايدن له أكثر من سبب، من بينها انه ورث أرضية سياسية من ادارة الرئيس السابق دونالد ترامب منحازة للغاية لاسرائيل، صاحبتها قطيعة تامة بين السلطة الفلسطينية وادارة ترامب، عقب الاجراءات العقابية التي اتخذها ترامب ضد الفلسطينيين ومن بينها اغلاق المكتب الفلسطيني في واشنطن، والقنصلية الاميركية في القدس وقطع المساعدات المالية، طبعا اضافة الى قراراته المخالفة للقانون الدولي وابرزها الاعتراف بالقدس عاصمة لاسرائيل ونقل السفارة الاميركية اليها. ولم تكن صدفة ان تأخر بايدن في اجراء اتصال هاتفي برئيس وزراء اسرائيل بنيامين نتنياهو، لانه اراد ان يظهر انزعاجه من التحالف القوي الذي  ربط نتنياهو بترامب وباليمين الاميركي.

 

الرئيس بايدن وفريقه اتخذوا بعض الاجراءات الاولية لإصلاح الاضرار التي ورثوها عن ترامب، مثل العودة الى الالتزام "بحل الدولتين" للنزاع، واستئناف الاتصالات السياسية مع السلطة الفلسطينية وكذلك بعض المساعدات الاقتصادية. خلال جلسات التصديق على تعيينه كوزير للخارجية في مجلس الشيوخ في يناير الماضي، قال انطوني بلينكن "ان الطريقة الوحيدة لضمان مستقبل اسرائيل كدولة يهودية مستقلة،  واعطاء الفلسطينيين دولتهم التي يستحقونها، هي عبر ما يسمى بحل الدولتين". ولكن بلينكن استدرك قائلا " واعتقد، واقعيا انه من الصعب ان نرى احتمالات قريبة لتحقيق التقدم بهذا الشأن".

 

وحتى قبل  تفاقم التوتر في القدس العربية، مع اقتراب اسرائيل من اقتلاع عدد من العائلات الفلسطينية التي تقيم منذ عقود في حي الشيخ جرّاح في القدس، والاشتباكات بين المستوطنين الاسرائيليين في القدس، واقتحام منطقة الحرم الشريف، وعلى الرغم من بروز مؤشرات عديدة بان الوضع مرشح لانفجار أكبر، لم تقم ادارة الرئيس بايدن حتى بتعيين سفير لها في اسرائيل، أو في تعيين مساعد لوزير الخارجية لشؤون الشرق الاوسط، أو في فتح قنصليتها المغلقة في القدس للتعامل مع الفلسطينيين. المسؤولون في ادارة بايدن كانوا يقولون ان الظروف الموضوعية والاستقطابات والمشاكل الداخلية في صفوف الاسرائيليين (اربعة انتخابات نيابية خلال سنتين) والفلسطينيين ( انتخابات اعلن عنها، ثم تم تأجيلها) تجعل استئناف "عملية السلام" أمرا صعبا للغاية.

 

المسؤولون الاميركيون ركزوا اهتمامهم الرئيسي في منطقة الشرق الاوسط على احياء المفاوضات النووية مع ايران، وهي مسألة لها بعد اسرائيلي، ربما ساهم في اقناع بايدن بعدم وضع "عملية السلام" في طليعة اولوياته، لكي لا يساهم أكثر في تعكير علاقاته مع نتنياهو الذي يعارض بشراسة أي اتفاق نووي مع ايران.  وهناك شبه اجماع في اوساط الطبقة السياسية في واشنطن بمختلف ألوانها، هو انه على الولايات المتحدة ان تركز طاقاتها العسكرية ومواردها الاقتصادية والسياسية والديبلوماسية على مواجهة التحدي الاستراتيجي والاقتصادي المتنامي التي تمثله الصين في منطقة شرق آسيا، وهي المنطقة الاكثر اهمية اقتصادية للولايات المتحدة.

 

وليس من المبالغة القول ان ادارة بايدن فوجئت بالسرعة التي انهار فيها الوضع الامني، داخل القدس، وخاصة بعد اجتياح الجنود الإسرائيليين للحرم الشريف خلال شهر رمضان، وتحول التوتر الى اشتباكات صاروخية وقصف جوي بين اسرائيل وحركة حماس في غزة، ما ادى الى سقوط عشرات القتلى معظمهم في غزة، وبعض المدنيين الاسرائيليين في عسقلان وغيرها.

 

وفي الايام الماضية، ازدادت وتيرة الاتصالات بين المسؤولين الاميركيين والاسرائيليين، وصاحبها بيانات اميركية من البيت الابيض ووزارة الخارجية كانت تستنكر العنف من قبل الجانبين، وركزت، بعد بدأ اطلاق الصواريخ من غزة، على دعم حق اسرائيل في الدفاع عن نفسها ومطالبة "حماس" بوقف قصفها الصاروخي "فورا" كما قال الوزير بلينكن خلال لقائه لنظيره الاردني أيمن الصفدي يوم الاثنين. المسؤولون الاميركيون اعربوا ايضا عن قلقهم لاحتمال طرد العائلات الفلسطينية من حي الشيخ جراح، واشاروا الى ان هذه العائلات تقيم في الحي منذ عقود.

 

في هذه المواقف والاتصالات  العلنية ركز المسؤولون الاميركيون انهم سيواصلون اتصالاتهم مع المسؤولين الاسرائيليين والفلسطينيين والمصريين لحماية المدنيين وردع اعمال العنف والارهاب، وكرروا التزامهم "بحل الدولتين".

 

وقام مستشار الامن القومي الاميركي جايك ساليفان باجراء أكثر من اتصال هاتفي بنظيره الاسرائيلي مائير بن شابات، كما اجرى وزير الخارجية بلينكن اتصالا بنظيره الاسرائيلي غابي اشكينازي. وقال بيان الخارجية الاميركية ان بلينكن " شدد على ضرورة تعايش الاسرائيليين والفلسطينيين في أمان واستق رار وان يتمتعان بمقاييس مشتركة من الحرية والامن والازدهار والديموقراطية".

 

واشارت مصادر مطلعة على خلفيات الموقف الاميركي الى ان نبرة المسؤولين الاميركيين في هذه الاتصالات كانت أقوى وأشد مما أوحت به البيانات الرسمية، وخاصة لجهة قيام اسرائيل بلجم عنف المستوطنين المتطرفين وضرورة تجميد قرار اجلاء العائلات الفلسطينية من حي الشيخ جرّاح.

 

ومع اتساع رقعة القتال والقصف الجوي والصاروخي المتبادل، ووصول التوتر  الى داخل المجتمع الاسرائيلي وخصول مواجهات عنيفة ودموية بين المواطنين العرب واليهود في أكثر من مدينة وبلدة في اسرائيل ما شكل صعقة  مفاجئة للقيادة الاسرائيلية، كثف المسؤولون الاميركيون من اتصالاتهم ليس فقط مع الاسرائيليين، بل ايضا مع الفلسطينيين، حيث تحدث وزير الخارجية انطوني بلينكن مع الرئيس محمود عباس للمرة الاولى، ومع مسؤولين عرب في مصر والاردن وقطر ودولة الامارات، لإقناعهم بالتدخل لدى الطرفين لاحتواء العنف. ولوحظ ان المسؤولين الاميركيين ركزا في تصريحاتهم العلنية يوم الاربعاء ليس فقط على ادانة الهجمات الصاروخية لحماس بل تأييد هجمات اسرائيل العسكرية دون شروط، وهذا ما فعله وزير الدفاع لويد أوستن حين اتصل بنظيره الاسرائيلي بيني غانتز ليعرض "الدعم الصارم" للدفاع الاسرائيلي.

 

واجرى وزير الخارجية انطوني بلينكن اتصالا هاتفيا ببنيامين نتنياهو اعرب فيه عن تأييد بلاده لاسرائيل وحض الاسرائيليين والفلسطينيين على احتواء العنف. كما اجرى بلينكن اول اتصال مع رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس ادان خلاله الهجمات الصاروخية لحماس، واعرب عن قناعته بان الفلسطينيين والاسرائيليين يستحقون "مقاييس متساوية في مجالات الحرية والكرامة والامن والازدهار."

 

وأعلن بلينكن انه سيرسل الديبلوماسي هادي عمر (من مواليد لبنان) نائب مساعد وزير الخارجية  للشؤون الاسرائيلية والفلسطينية " لحض الطرفين على تقليص العنف". وشغل هادي عمر في السابق مناصب حكومية، كما عمل في البنك الدولي وفي مراكز ابحاث أميركية، ويتمتع بسمعة مهنية جيدة. ولكن، كما لاحظ بعض المراقبين والمسؤولين السابقين، فان خطورة القتال الراهن، والاحتمالات المتزايدة لتوسعه، تقتضي ارسال مسؤول بارز، يحظى بدعم مباشر وقوي وعلني من الرئيس بايدن لكي يكون فعالا. يذكر ان منصب مساعد وزير الخارجية لشؤون الشرق الاوسط لا يزال شاغرا. ومن المتوقع ان يعين الرئيس بايدن خلال الاسابيع المقبلة سفيرا اميركيا جديدا لاسرائيل.

 

وحتى يوم الاربعاء بقيت الاتصالات بين الطرفين على مستوى وزراء الخارجية ومستشاري الامن القومي. ويبدو ان محاولات الرئيس بايدن  تفادي لعب دور مباشر في هذه الاتصالات، لكي لا يتورط فيها أكثر وتستحوذ على اهتمامه كما حدث مع معظم اسلافه، قد انتهت بعد اخفاق جهود مساعديه في احتواء القتال. ووفقا لبيان للبيت الابيض، أدان بايدن الهجمات الصاروخية لحماس، وأكد لنتنياهو الدعم الاميركي الثابت لحق اسرائيل الشرعي في الدفاع عن شعبها . واضاف بايدن انه يتوقع انحسار العنف قريبا، دون ان يوضح ما يعنيه بذلك. ولم يتطرق الرئيس الاميركي الى العنف الاسرائيلي الذي استهدف مراكز مدنية اضافة الى مواقع عسكرية في قطاع غزة، وادى الى مقتل عشرات المدنيين.

 

الى أي مدى يمكن لبايدن ان يتفادى وضع ثقله السياسي والمعنوي وراء المساعي الاميركية لضمان نجاحها؟ الاكتفاء بايفاد الديبلوماسي القدير هادي عمر، يعكس من جملة ما يعكسه ان ادارة الرئيس بايدن تريد ان تبقى في حيز ادارة النزاع ومعالجة سبل احتواء ابعاده العسكرية، وهذا يعني ان الرئيس بايدن، لا يريد حتى الان ان يتورط في أي مبادرات سياسية، مماثلة لمبادرات بعض اسلافه لحل النزاع التاريخي بين الفلسطينيين واسرائيل، والتي باءت كلها بالفشل. واذا اختار بايدن تجاهل النزاع الفلسطيني-الاسرائيلي، فان التاريخ القريب، يبين ان هذا النزاع قد لا يختار تجاهل الرئيس الاميركي الجديد.

الكلمات الدالة