إعلان

الأخطاء الاستراتيجيّة القاتلة للمدير

المصدر: النهار العربي
سمير قسطنطين
تعبيرية
تعبيرية
A+ A-
أنتَ تعمل في مؤسّسة. في نظر كثيرين، إذا نجَحَت المؤسّسة وتوسّعَت وزادت أرباحُها، فإنّما الفضل يعود إلى مؤسِّسها، أو مديرها العام، أو مجلس إدارتها. وإذا فشِلَت المؤسّسة، فإنّما السبب يعود إلى فشل فريق العمل في تحقيق الأهداف. لكن هل فكّرنا مرّةً أنّ الإدارة العليا للمؤسّسة، أيّة مؤسّسة، هي المسؤولة عن الفشل؟ وإذا أردْتُ أن أكون أكثر جرأةً أقول إنّ المدير في الدائرة أو المؤسّسة هو المسؤول الأوّل عن الفشل. فالأخطاء التي يرتكبها قد تكون قاتلةً للمؤسّسة أو للدائرة. 
 
التغاضي عن وضع أهداف محدّدة قد يكون خطأً استراتيجيّاً قاتلاً حيث يستعيض المدير عن هكذا مهمّة حتميّة بإدارة المؤسّسة على قاعدة "كلّ يومٍ بيومه"، والتعاطي بالتالي مع المستجدّات بـ "القطعة" وليس من ضمن رؤية واسعة. العالم يمرّ اليوم بأزمةٍ غير مسبوقة. وضع أهدافٍ ذكيّة يمكن تحقيقها، وهي تعايش المرحلة الحاليّة بنَفَسٍ مستقبلي ضروري جدّاً. هذا يتطلّب رؤيةً وخبرة وحنكةً وتواضعاً ومثابرة. 
 
قد يقع المدير هنا في خطأ آخر إن هو لم يحدّد الأولويّات. ففي الزمن الصعب، ما هي أولويّاته؟ جباية أمواله غير المُحصّلَة من السوق؟ إكتشاف أسواقٍ جديدة لمُنتَجاته؟ الحفاظ على فريق العمل؟ هناك عوامل كثيرة يمكن تصنيفها في إطار الأولويّات أي Priorities. لا يستطيع المدير أن يتعاطى معها على قاعدة "كيف ما تجي تجي". إذا فعلَ ذلك، فماذا لو جَرَت الريح بما لا تشتهيه السفنُ؟ يجب أن تكون أولويّات المؤسّسة واضحة ومكتوبة، وأن يتشارك المدير في وضعها مع الفريق الأساسي، على أن يدركها فريق العمل كلّه. 
 
التسويف أي الـ Procrastination خطأٌ استراتيجي آخر. الذين يعتقدون أنّ الأزمة الحاليّة وقتيّة، وأنها مسألة شهور قليلة قبل أن تعبر، هُم مخطئون. الأزمة حقيقيّة وطويلة. في لبنان، الأزمة ستأخذ وقتاً أطول، ذلك لأنّ الجائحة التي تجتاح العالم الآن هي جانبٌ واحد فقط من الأزمة. كلّ القرارات التي يجب أن يأخذها المدير وفريق عمله، يجب أن يأخذها بسرعة، وليس بتسرّع، لكنّه لا يستطيع أن يأخذها "عَ الرايق". أن يكون رأسك بارداً في الأزمة أي To Have Cool Head in Crisis، لا يعني أبداً أن تأخذ وقتاً طويلاً قبل القرار. هذا يعني أنّك في مرحلة القرارات الكبيرة والصغيرة، عليكَ أن تتحرّك بسرعة، على أن يتحرّك رأسك بهدوء. التسويف هو تأجيلٌ غير مبرّر للقرارات. في هذا الزمن أنتَ بالكاد تملك الوقت الكافي لصنع القرارات، فكم بالحري إذا كان التسويف من صفاتك. الذين يعتقدون أنّ الوقت سيحلّ المشاكل العالقة، أقول لهم إنّ الوقت لا يشفي جُرحاً ولا يحلّ مشكلةً. الوقت يُعقّد هذه الأمور إذا لم تتعاطَ معها مباشرةً. 
 
قد يرتكب المدير خطأً استراتيجيّاً آخر هو الاحتفاظ لنفسه بسلطة اتّخاذ قرارات يمكن مع شيءٍ من التفويض والمتابعة الذكيّة تركها لفريق العمل. يُسرُّ بعض المدراء في المؤسّسات "وبينِقّوا بزات الوقت" أنّ ساعات النهار لا تكفي لإنجاز مهمّاتهم. قد يكون الأمر عائداً لسببٍ محقٌّ، لكن في مرّات كثيرة، يحصل ذلك بسبب احتفاظ المدير لنفسه بحقِّ القيام بمهمّات يمكن لغيره فعلها. بعض الأشخاص ينالون ترقيةً في عملهم، لكنّهم يُحبّون أن يحتفظوا لأنفسهم بمهمّاتٍ من الوظيفة السابقة. قلبُهم يتعلّق بأمورٍ تأخذ من طاقتهم ووقتهم وجهدهم ومن ثمّ ينوؤون تحت ثقلها. توزيع المهمّات يتطلّب ثقةً بفريق العمل، والثقة تُبنى، ولعلّ أهمّ مدماكٍ في بناء الثقة هو تدريب الناس وتمكينهم ومرافقتهم. لكن أن تحتفظ لنفسكَ وأنتَ في موقعٍ إداري بحيّز كبيرٍ من الجهد العملاني، فذلك خطأٌ استراتيجي كبير. 
وهذا الخطأ يتماهى مع خطأ مرتبطٍ به ارتباطاً مباشراً وهو تعدُّد المهمّات أي ما نسمّيه في عالم "المانجمانت" بالـ Multitasking. خُذْ مثلاً على ذلك مدير مدرسةٍ هو يديرها من جهة، ويحتفظ لنفسه في الوقت ذاته بإدارة القسم الثانوي فيها، وتعليم ستّ حصص أسبوعيّة مثلاً للصف الثانوي الثاني. تراه مُنهَكاً، "مِشْ ملحّق" باستمرار. هذا خطأٌ استراتيجي يرتكبه المدير لأنّه بذلك يسرق الوقت الثمين من نفسه للقيام بمهمّاته الأساسيّة كمديرٍ وهي التخطيط والتنظيم والقيادة والتدريب والتأكّد من الإنجازات. ما يفعله هو الآن ليس قيمة مُضافةً كما يعتقد، وإنّما مضيعةٌ للوقت. إن هو فعلَ ذلكَ سيكون على وشك الوقوع في خطأ استراتيجيٍّ آخر وهو عدم أخذ إجازةٍ.
 
قد تقول لي إنّ الوقت ليس وقت إجازاتٍ وإنّ الحاجة الآن هي إلى تعزيز الحضور والتفكير وهذا لا يتحقّق بالإجازات. أنا أقول لك بالفم الملآن "معك حق". لكن في الوقت نفسه، من قال إنّ الإجازة يجب أن تمتدّ إلى أُسبوعين؟ يمكنك أخذ فرصة، لنسمّها فرصة، لمدّة يومين تذهب فيهما إلى القرية أو مكانٍ ما في الجبل، أو أن تبقى في البيت على ألا تتورّط، إذا جاز التعبير، بزيارات واجتماعات ووواجبات تُضيف إلى تعبك تعباً بدل أن تريحك. 
 
لكي تفعل كلّ ذلك، أنتَ بحاجة لكي تؤمن بجدوى الـ To-Do-List التي سوف تساعدك كثيراً لكي لا تشتغل أكثر بل أن تُنتج أفضل. كثرة العمل لا تعني بالضرورة زيادةً في الإنتاج. تأكّد باستمرار من أنّك منتجٌ وفعّالٌ أكثر ممّا تُسرّ بأنك "مِشْ عم تقدر تتنفّس من كترة الشغل".
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم