إعلان

الخيار العسكري على الطّاولة... في اليمن

المصدر: النهار العربي
خيرالله خيرالله
خيرالله خيرالله
ولي العهد السعودي محمد بن سلمان مستقبلاً رئيس المجلس الرئاسي اليمني رشاد العليمي عقب مشاورات الرياض.
ولي العهد السعودي محمد بن سلمان مستقبلاً رئيس المجلس الرئاسي اليمني رشاد العليمي عقب مشاورات الرياض.
A+ A-
يقول مثل فرنسي (Mieux vaut tard que jamais)، وهو مثل متداول باللغة الإنكليزية أيضاً (Better late than never): "أن تأتي الأمور متأخّرة أفضل من ألا تأتي أبداً". ينطبق هذا المثل على إعادة تشكيل "الشرعية" في اليمن، وهو أمر كان مفترضاً حصوله بعد أسابيع قليلة من خلافة عبد ربّه منصور هادي علي عبد الله صالح في موقع رئيس الجمهورية اليمنية في شباط (فبراير) 2012.
 
بدأ عبد ربّه رئاسته، التي كان مفترضاً أن تكون موقتة، أي لسنتين فقط، يُقَرّ في أثنائها دستور جديد وتُجرى في ضوئه انتخابات رئاسية، بإعادة تشكيل القوات المسلحة اليمنية. عمل بكل بساطة على تحويل الجيش اليمني إلى جسم من دون رأس موزّع الولاءات. صبّ كل ما فعله في خدمة المشروع الحوثي، وهذا كان مفترضاً التنبّه له باكراً، تفادياً للكارثة المتمثلة في بلوغ الوضع اليمني ما بلغه، وتحوّل قسم من البلد إلى قاعدة للصواريخ والمسيّرات الإيرانية.
 
لم يكن لدى الرئيس الموقت سوى هدف واحد، يتمثّل بالقضاء على أي نفوذ للرئيس اليمني السابق داخل الجيش. كان عبد ربّه نائباً لعلي عبد الله صالح طوال ما يزيد على 15 عاماً. تصرّف معه الرئيس اليمني السابق، الذي بدأ يصير مزاجياً منذ عام 1994، بطريقة غير لائقة في مناسبات عدة.
 
كان المهم لدى خليفة علي عبد الله صالح تصفية حساباته معه، غير مدرك للنتائج التي ستترتب على ذلك. بدأ بالتركيز على الحرس الجمهوري الذي كان يضمّ ما يزيد على 30 لواءً. كان كل لواء مسلحاً تسليحاً حديثاً، وعناصره مدرّبة تدريباً جيداً. لم يكن عديد كل لواء يزيد على 2500 ضابط وعسكري. كانت هذه الألوية بقيادة العميد أحمد علي عبد الله صالح الذي سارع الرئيس الموقت إلى إبعاده عن صنعاء، إذ عيّنه سفيراً في دولة الإمارات.
 
يمكن التغاضي عن مرحلة السنتين اللتين تلتا تسلّم عبد ربّه السلطة، وتفسير تصرفاته بالقهر الذي عاناه على يد سلفه. لكن ما لا يمكن تمريره هو الدور الذي لعبه في تسهيل وصول الحوثيين إلى صنعاء، بعدما رفض استخدام ما بقي من جيش للتصدي لهم فيما هؤلاء في طريقهم إلى العاصمة. كان ذلك صيف عام 2014.
 
فرح الرئيس الموقت بقضاء الحوثيين على زعامة آل الأحمر الذين كانوا على رأس قبيلة حاشد المتماسكة، وذلك بعد اجتياحهم محافظة عمران وسيطرتهم على منازل أبناء عبد الله بن حسين الأحمر في قرية خمر. اعتقد أن الحوثيين يعملون لمصلحته، وأن في استطاعته استخدامهم من أجل إيجاد توازن مع الإخوان المسلمين الممثلين بحزب "التجمع اليمني للإصلاح". كانت لـ"الإخوان" حسابات خاصة بهم. لم تتبدّل هذه الحسابات يوماً، وذلك منذ لعبوا الدور الأساسي في التخلّص من علي عبد الله صالح بغية الحلول مكانه.
 
في الواقع، كانت كلّ حسابات الرئيس الموقت، الذي نزعت منه صلاحياته في مؤتمر الرياض، حسابات خاطئة لم تخدم سوى الحوثيين (جماعة "أنصار الله") والمشروع الإيراني في اليمن. هذا المشروع الذي يدّعي عبد ربّه أنه يحاربه ويحذّر في كل وقت من خطورته.
 
كان ضرورياً التخلّص من "الشرعيّة" التي تحولت "شرعيّة" ذات رأسين، هما الرئيس الموقت ونائبه علي محسن صالح الأحمر، بعد سيطرة الحوثيين على صنعاء في 21  أيلول (سبتمبر) 2014. أضاعت الجهات الخليجية المعنية مباشرة بالوضع اليمني وقتاً ثميناً بسبب تغاضيها عن تصرفات "الشرعية" التي لم يكن فيها شيء من الشرعية.
 
بعد مرور كلّ هذه السنوات الضائعة، بات في الإمكان الآن الكلام عن مرحلة جديدة في اليمن، وذلك في ضوء حدثين مهمّين. الأول الهدنة التي أعلنت والتي مدتها شهران، والآخر إعادة وضع الخيار العسكري على طاولة أي مفاوضات يمكن أن تجري مع الحوثيين مستقبلاً. هناك تشكيل لشرعية جديدة تحت تسمية مجلس القيادة الرئاسي. لم يتردد رئيس المجلس رشاد العليمي في وصف عبد ربّه منصور هادي بـ"الرئيس السابق".
 
الأهم من ذلك كلّه، أن المجلس يضم شخصيات تمتلك قوات عسكرية فاعلة أثبتت جدواها. من بين هذه القوات تلك التي قاتلت على جبهة الحديدة، وقوّات العمالقة التي استعادت كل مديريات محافظة شبوة ذات الأهمّية الاستراتيجية الكبيرة من الحوثيين في كانون الثاني (يناير) الماضي. كشفت قوات العمالقة، وهي في معظمها جنوبية، أن في الإمكان هزيمة الحوثيين. كل ما في الأمر أن "الشرعيّة" السابقة لم تكن تريد ذلك... بل سهّلت استيلاء هؤلاء على صنعاء!
 
خلاصة الأمر أن اليمن دخل مرحلة جديدة، وأن مجلس القيادة الرئاسي قد يجد نفسه مضطراً إلى اعتماد الخيار العسكري في غير جبهة، من أجل إقناع الحوثيين بأن لا خيار آخر أمامهم غير التفاوض من أجل التوصل إلى صيغة سياسية جديدة لبلد أقلّ ما يمكن قوله عنه إنه تشظّى.
 
هل يستوعب الحوثيون، ومن خلفهم إيران، أن موازين القوى في اليمن قابلة للتغيير... أم يعتبرون أن لا شيء يمكن أن يزحزحهم عن المضي في مشروع وضع اليد على جزء من اليمن ليكون هذا الجزء موطئ قدم لـ"الجمهورية الإسلامية" الإيرانية في شبه الجزيرة العربية... تماماً كما كان اليمن الجنوبي موطئ قدم للاتحاد السوفياتي حتى عام 1990؟
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم