إعلان

انهيار التركيبة الكيانيّة اللبنانية... الفوضى تعصفُ بالشيعيّة والسنّية السياسيّتَين

المصدر: النهار العربي
ابراهيم حيدر
قطع الطرق في لبنان
قطع الطرق في لبنان
A+ A-
حذّر الفرنسيون من أن الوقت ينفد أمام جهود منع انهيار لبنان. السياسيون اللبنانيون لا يساعدون بلدهم الذي يواجه أخطاراً، وهم مذنبون بحسب وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لودريان. الواقع أن الوقت نفد ولم يعد لجهود منع الإنهيار أي معنى في ظل أسوأ أزمة يشهدها لبنان منذ الحرب الأهلية المدمرة التي لم تنتهِ بمجيئ التشكيلة الرسمية والأهلية والميليشيَوية إلى سدة الحكم وقادت المسار اللبناني بعد اتفاق الطائف، وعبثت بكل مقوماته وأوصلت البلد الى الانسداد، وها هو يقترب من لحظة الانفجار الكبرى بسبب العجز عن التقدم نحو التسوية وخوض غمار الإصلاح لإنقاذ ما تبقى من مقومات وجوده.
 
لم يعد هناك من مجال للتسوية في الشأن الحكومي. الخلاف بين رئيس الجمهورية ميشال عون والرئيس المكلف سعد الحريري وصل إلى نقطة لم يعد فيها ممكناً التعايش بين الرجلين، ويظهر في العملية السياسية أن الرهان لدى رئيس الجمهورية هو على إخراج الحريري، في الوقت الذي يدور فيه الصراع بين القوى السياسية والطائفية لتحسين مواقعها وتثبيت هيمنتها في مناطقها، إلى حد أنها اشتغلت خلال الاحتجاجات الشعبية الأخيرة على إعادة رسم خطوط السيطرة بين مختلف المناطق ومحاولة كل منها اختراق بيئات أخرى مقابلة. لذا لم تستطع مجموعات الانتفاضة اللبنانية من ثورة 17 تشرين الأول (أكتوبر) 2019 أن تفرض وجودها على الأرض حين بدا قطع الطرق كرسائل تعبر عن توجهات القوى الطائفية والأهلية بوضع المناطق تحت سيطرتها، وإخضاعها واستخدام أي تحرك لتحسين مواقعها وفرض شروطها في أي تسوية محتملة، فيما يتمترس رئيس الجمهورية مع تياره السياسي في قصر بعبدا وكأن لا شيء يحدث في البلد، وكأنه يعتبر القصر وموقع الرئاسة في الخرائط التي ترسم خط دفاعه الأول والأخير.
 
وعلى رغم فتح الطرق وتدخل الجيش اللبناني في هذا السياق، إلا أن كل المؤشرات تدل على أن البلد يتجه أكثر إلى الانفجار في وجه الجميع. الإنسداد السياسي والطائفي في الموضوع الحكومي وفي التسوية وتسارع الانهيار في سعر الصرف وتراجع قدرة اللبنانيين على تأمين الحد الأدنى من المتطلبات، بدأ يأخذ الأمور الى مسارات جديدة، ومعه ينزلق الى الفوضى الأهلية في ضوء الاصطفافات في الشارع.
 
البعض يعتبر أن المشكلة اليوم تتركز كلها لدى العهد وفي موقع رئاسة الجمهورية، ففي يدي الرئيس ميشال عون الحل إذا تراجع عن سقف شروطه الحكومية وبادر الى البحث عن تسوية لتشكيل الحكومة. وفي المقابل، تبدو الأمور على الأرض أكبر من مجرد تشكيل حكومة، إذ باتت الكلمة للشارع في ظل ما يشهده البلد من وضع معيشي مرعب، لذا لا أحد يريد أن يتحمل أعباء ما آلت إليه الأمور، على رغم أن المسؤولية تتحملها كل المنظومة الحاكمة، وحكومة تصريف الأعمال برئاسة حسان دياب التي لم تنجز شيئاً من الإصلاحات المطلوبة ولا تصرفت بأي قدر من الاستقلالية، لا بل كل قراراتها كانت تحت سقف الوصاية السياسية التي جاءت بها، ولا يمكن لرئيسها أن يتحدث عن فتوحات إصلاحية قام بها في ظل الانهيار الذي لم يُبقِ شيئاً للبنانيين.
 
على الخط ذاته يبدو كل طرف طائفي وأهلي يحاول ترتيب أوضاعه لمواجهة ما هو آتٍ. رئيس الجمهورية يريد البقاء في قصر بعبدا، ولا حكومة طالما أن الحريري رئيسٌ مكلفٌ، فيما ينتظر "حزب الله" لحظة التسويات الكبرى، وليس مستعجلاً لتحديد موقفه من الاستحقاقات المقبلة، وهو مرتاح لوضعه طالما أن مصالحه في أي حكومة يمكن أن تتشكل ستبقى محفوظة، واذا لم تتشكل فهو يحتفظ ببنيته المالية والعسكرية في شكل مستقل عن الدولة. وعلى رغم أن له كلمة الفصل انطلاقاً من دوره الإقليمي وفائض قوته التي يستخدمها عند المحطات المفصلية أو الانفجارات الكبرى في البلد كما حدث في 7 أيار (مايو) 2008، إلا أنه اليوم في الداخل غير قادر على استثمار فائض قوته لحسم الأمور، لأسباب لها علاقة أولاً بانخراطه في حروب إقليمية، وثانياً عدم قدرته على تطويع الطوائف الأخرى بعدما خسر الكثير في البيئات الطائفية التي كان يتسلح بها، وقد ظهرت أزمة علاقاته بالمسيحيين جليةً على الرغم من تحالفه مع ميشال عون وتياره، وذلك بعد خطاب البطريرك الماروني بشارة الراعي ومطالبته بالتدخل الدولي وفرض الحياد. ولهذا نجده يفتح على مسارات دولية أخرى، وتحديداً الروسية لحماية وضعه في أماكن متعددة كونه يشكل القوة الإيرانية الأولى وذراعها في سوريا ولبنان.
 
لبنان اليوم في حال يرثى لها، إذا قارنّا مواقع القوة للفرقاء اللبنانيين. العهد اليوم أمام مأزق كبير، وهو العهد الذي جاء تتويجاً لهيمنة أهلية تقدمتها الشيعيّة السياسية، تراجع خلالها موقع السنّية السياسية التي قبلت بتسوية ميشال عون رئيساً. لكن هذه التسوية انفجرت وهذا التحكم بدا اليوم في مأزق، وانعكس ذلك على كل التركيبة الكيانية وقواها، بحيث لم يعد هناك من يستطيع أن يضبط الوضع اللبناني ويعيد ترتيب مساره نحو التسوية والبناء.
 
لم يعد ممكناً اليوم ترقيع الوضع البناني، ولذا شهدنا مثلاً سقوط كل المبادرات لتشكيل حكومة فقط، خصوصاً الفرنسية، فمع الانهيار والفوضى لم يعد الخارج قادراً أو ليس مهتماً بفرض التسوية أمام الاستعصاءات الأهلية والطائفية اللبنانية. وللتدليل أن الشيعيّة السياسية الممثلة بـ"حزب الله" وحركة "أمل" لم تعد قادرة على الوصاية والتحكم، لأن ما وصل اليه البلد اليوم هو نتيجة لوصايات داخلية سادت بعد خروج الوصاية السورية عام 2005، فلا ننسى مثلاً تسوية الدوحة التي كرست نوعاً من وصاية مختلفة متحكمة بالوضع الداخلي فجرت الحكومة في وجه سعد الحريري عام 2010، ثم لا ننسى أيضاً أن الشيعيّة السياسية ضغطت لإيصال عون الى الرئاسة والتزم معها الحريري في هذا الوضع مكرساً واقعاً جديداً، هو يحاول الخروج منه كرئيس مكلف جديد يسعى الى الاعتماد على القوة الذاتية والرعاية العربية والدولية واستعادة موقع السنيّة السياسية.
 
كل ذلك يدل على المأزق الذي وصلت اليه التسوية الطائفية المذهبية في البلد. ميزان الغلبة الذي تكرس خلال فترات سابقة بات في مشكلة مع الانسداد السياسي وصراع المصالح الداخلية، لكن القوى الطائفية والسياسية تستثمر أيضاً في الانهيار لتثبيت مواقعها في مناطق هيمنتها تحسباً ولترتيب أوضاعها على حساب البلد...
الكلمات الدالة