إعلان

الحركة الإسلامية الجنوبية... التصويت لنتنياهو مرتين

المصدر: النهار العربي
غسان زقطان
غسان زقطان
إعلان للقائمة العربية المشتركة
إعلان للقائمة العربية المشتركة
A+ A-

على موقع الحركة الإسلامية/ الجناح الجنوبي يتحدث شخص، سيتضح من خلال التعليقات أن اسمه ابراهيم، عن انشقاق الحركة عن القائمة العربية المشتركة وذهابها بقائمة مستقلة لانتخابات الكنيست المقررة في 23 آذار ( مارس) القادم.

 

لا يخطئ ابراهيم في اللغة، يقرأ البيان المكتوب بديباجة سلفية قادمة من المتداول في خطب صلاة الجمعة، تلك التي يكتبها موظفون أوفياء في وزارات الأوقاف، يحرك يديه في محاولة لنقل الأفكار المقصودة، التي تبدو تامة ونهائية ومحروسة بتعابير الحرص والتقوى المتلاحقة في وجهه ويديه، ثم يدفعها نحو المتلقي كحقائق منزلة وخاشعة، وهو يردد مع بداية الفقرات عبارة "شعبنا المحافظ" كاستهلال يحدد بثقة ومعرفة هوية شعبه وثقافته ووعيه. يضع البيان الذي يقرأه ابراهيم حدوداً واضحة للشعب الذي يريده، الذي عليه أن ينهض صبيحة الانتخابات ليمنح صوته لـ"القائمة العربية الموحدة" المنشقة عن "القائمة المشتركة". بينما يعزل أولئك الذين لا يتمتعون بحصانة "المحافظة" والمكونات الأخرى من مسيحيين ودروز خارج الشعب في معازل صغيرة لليسار واليمين.

 

للحقيقة هذه هي المرة الأولى، بالنسبة إليّ، التي انتبه الى نداء "شعبنا المحافظ" الغريب، يمكن احتسابها اضافة الى الحركة الاسلامية الجنوبية في فلسطين، وانزياحاً واضحاً عن "شعبنا المناضل" أو "شعبنا العظيم" أو "...الصابر، المرابط، المقاوم"..الى آخره، الى آخره.

 

في البيان شرح مسهب لأسباب انشقاق الحركة والتي تتمحور حول قوانين علمانية سنّتها الكنيست الإسرائيلية خلال فترة السنتين الماضية، فترة متعثرة تخللتها ثلاث جولات انتخابية وإدارة ترامب، مثل حقوق المثليين وصلاحيات المحاكم الشرعية و"الاتجار بالأرحام"...، أشياء من هذا القبيل تتناقض مع الثقافة "المحافظة" التي يتمتع بها "الشعب" المقصود، سيضع، البيان، أيضاً سبباً ثالثاً حول ضرورة التحلي "بالواقعية" في شأن مواجهة أزمات المجتمع العربي مثل البطالة وتفشي العنف والجريمة المنظمة.

 

ورغم سلامة اللغة التي تمتع بها البيان، النص والأداء، الا أنه سيكون من الصعب إيجاد جسور بين "المحافظة" التي يتمتع بها الشعب و"الواقعية" التي يقترحها مجلس شورى الحركة. أو اقناع مجتمع معتز بـ"محافظته" لدعم سياسات "براغماتية/واقعية" مع نظام عنصري يتحكم في كل شيء، ويدفع المجتمع العربي نحو التفكك والبطالة وتغذية العنف.

 

كأن يتفهم فكرة رئيس القائمة الإسلامية منصور عباس حول إمكانية دعم حكومة يمينية عنصرية بزعامة عنصري فاسد كاره للعرب مثل نتنياهو مقابل خدمات تقدمها "مؤسسة الدولة" للمجتمع العربي، أو الاتفاق معه حول "مصطلح " المخربين" في وصف الأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال، ونفيه المطلق للقناة الإسرائيلية لتهمة "معانقتهم".

 

يشير بيان الانشقاق الى هذا الأمر بصفته "زلات" في التعبير، ولكنها "زلة" متدحرجة ومتكررة بحيث يصعب اعتبارها غير مقصودة.

 

خلال الانتخابات السابقة حققت القائمة العربية المشتركة اختراقاً واضحاً على الخريطة السياسية في إسرائيل منحها 15مقعداً (من 120) في الكنيست، كان ذلك انجازاً هاماً بحد ذاته منح الثقة للناخب العربي ولفت النظر محلياً ودولياً لقوة المجتمع العربي وفتح آفاقاً للتأثير. ثمة خلافات حدثت خلال الشهور القليلة بين جولات الانتخابات الإسرائيلية المتلاحقة، نتحدث عن ائتلاف لأربعة أحزاب يمثلون حوالي مليون ونصف مليون فلسطيني يعيشون في ظل نظام أبارتهايد، وعن فترة زمنية قصيرة تتسم بالاضطراب السياسي وثقل الأزمات التي تسببت بها جائحة الوباء وانعكست بشكل مضاعف على المجتمع العربي، الذي يعاني أصلاً من التمييز والعنصرية والبطالة وضعف الميزانيات وتفشي الجريمة المنظمة التي تصاعدت بقوة، وسط تجاهل جهاز "الدولة" الأمني، وحصدت العشرات من الأرواح وبددت الإحساس بالأمن والثقة.

 

لا تبدو أسباب انشقاق الجناح الإسلامي عن القائمة المشتركة مقنعة، المقصود تلك التي سردها البيان الذي قرأه ابراهيم، ثمة قضايا حياتية يمكن الاتفاق حولها والنضال من أجلها أكثر أهمية بما لا يقاس من الاختلاف على "حقوق المثليين" أو "الزواج المدني" في  إسرائيل، التي تعيش انقساماً عميقاً بين العلمانية والمتدينين، وثمة ثوابت وطنية تشكل اطاراً يجمع القوى السياسية في الوسط العربي لا ينبغي القفز عنها أو تعويمها تحت شعار الواقعية.

 

بالنسبة لنتنياهو وحزبه، يشكل انشقاق القائمة العربية المشتركة هدية طال انتظارها، وستوفر للعنصرية اليمينية في إسرائيل الفرصة لتفكيك وإضعاف الصوت العربي، وتحطيم الثقة بالقائمة وقدرتها على مواجهة متطلبات قاعدتها من خلال الوحدة، كما ستساهم في تبديد عشرات آلاف الأصوات العربية او الداعمة للقائمة من الوسط اليهودي التقدمي، والتي ستذهب في أفضل الحالات الى أحزاب اليسار الصهيوني التي فتحت قوائمها للصوت العربي بسبب الفاقة وعدم قدرتها على اختراق ثقافة اليمين العنصرية.

 

لا يبدو الأمر أكثر من سرقة أحلام الناس وسرقة أصواتهم ووضعها في صندوق نتنياهو مرتين، مرة عند التصويت للحركة ومرة عندما تصوت الحركة لـ"نتنياهو".

 

الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم