إعلان

إيران هي التي تدير الملف العراقي

المصدر: النهار العربي
فاروق يوسف
فاروق يوسف
عناصر من "الحشد الشعبي" الموالي لإيران
عناصر من "الحشد الشعبي" الموالي لإيران
A+ A-
يظن العراقيون أنهم يملكون أملاً في التخلص من الهيمنة الإيرانية لا يملكه اللبنانيون. وفي ذلك الظن الكثير من المبالغة التي لا تستند إلى معطيات الواقع. فإيران التي تثق بـ"حزب الله" وزعيمه حسن نصر الله لا تثق بالدرجة نفسها بـ"الحشد الشعبي" وإن كان زعماء عدد من فصائله هم من الموالين لها ويحمل بعضهم الجنسية الإيرانية.
 
ذلك لا يكفي. فـ"الحشد" هو عبارة عن ميليشيات غير متجانسة، ما يفرقها هو أكثر مما يجمعها وبالأخص على مستوى المصالح الضيقة التي تتقاطع وتتضارب في ما بينها، كما أن أفراد تلك الميليشيات لم ينتسبوا إليها لأسباب عقائدية، بل اضطروا إلى القيام بذلك لأسباب مادية، فهم من العاطلين من العمل الذين سحقتهم الأوضاع الاقتصادية المزرية وهو ما يعني أن غالبيتهم قد لا تصمد في أي مواجهة طويلة تقع مع الشعب. يكفي ذلك سبباً لعدم اطمئنان إيران إلى قدرة أتباعها على إدارة الملف العراقي بأنفسهم مثلما يفعل حسن نصر الله والمحيطون به. كان قاسم سليماني في ما مضى يدير الملف العراقي بنفسه ولا يعتمد على أحد من رجاله المخلصين في العراق. 
 
وقد يكون صادماً بالنسبة الى المتفائلين من العراقيين إذا ما تأكدوا من أن مفاوضات فيينا لا تتضمن بنداً يتعلق بسلوك إيران السياسي والعسكري في المنطقة ودعمها للميليشيات. بمعنى أنه ليس هناك طرف في معسكر الغرب المفاوض ينوي إحراج إيران في مسألة نشاطها خارج حدودها. وإذا ما اعتقد العراقيون أن خسارة العراق ستكون الثمن الذي يجب على إيران أن تدفعه من أجل الحصول على اتفاق نووي مريح فإنهم يرتكبون خطأ فادحاً في النظر إلى المعادلة التي يتعامل الغرب وواجهته الولايات المتحدة مع المسألة العراقية من خلالها.
 
فالولايات المتحدة هي التي صنعت النظام السياسي الطائفي في العراق وهي التي زودته بكل أسباب القوة الوهمية وهي أخيراً الطرف الذي مكن إيران من فرض ميليشياتها على الواقع العراقي بالرغم من أن تحجيم عمل تلك الميليشيات كان ممكناً في كل الأوقات التي سبقت هزيمة الجيش العراقي واحتلال الموصل من قبل تنظيم "داعش" عام 2014. في تلك السنة أعلنت إيران ولادة قوتها العسكرية التي تمكنت من خلالها من إحداث تحول نوعي في طبيعة هيمنتها على العراق، من جهة، ومن جهة أخرى، في طريقة تعاطيها مع الوجود العسكري الأميركي الذي لعب دوراً مهماً في طرد "داعش" من الموصل وتحريرها. 
 
لقد اعتبر الإيرانيون تحرير الموصل واحداً من أهم انجازاتهم في العراق بالرغم من أن قاسم سليماني مُنع من الاقتراب من خطوط التماس من جانب الطيران الأميركي. لقد سمح ذلك الحدث لـ"الحشد الشعبي" بالاستيلاء على المدن والبلدات التي غادرها "الدواعش"، وهناك ارتكب "الحشديون" ما حلا لهم من المجازر في حق الأهالي كما ملأوا السجون السرية بالمعتقلين بتهمة الانتماء إلى "داعش" أو التستر على "دواعش"، وهي تهمة وُجهت إلى النساء اللواتي لا يزال مصيرهن مجهولاً. وليس خفياً أن هناك مدناً صغيرة وبلدات يصعب على أي مسؤول عراقي بمن فيهم رئيس الوزراء الدخول إليها، فهي مناطق خاضعة لسيطرة الميليشيات بمعنى أنها صارت إيرانية تماماً. ولا أحد يعرف هل قامت إيران باحتلال تلك المناطق بشكل مباشر أم أنها اكتفت بهيمنة أتباعها. ما صار معروفاً أن الحكومة العراقية عاجزة عن إرجاع سكان تلك المناطق إلى بيوتهم. يشير ذلك الوضع إلى أن إيران تمارس نفوذاً مباشراً في العراق لأنها لم تتمكن بعد من فرض هيمنتها على الدولة بشكل كامل كما هو الحال في لبنان من خلال "حزب الله".     
 
وإذا ما افترضنا أن مقتدى الصدر نجح في عزل القوى الشيعية التابعة لإيران والتي تجمعت ضمن ما سُمي بـ"الإطار التنسيقي" وحرمها من مجالها الحيوي في اقتسام الثروة، فإن ذلك لا يعني بأي حال من الأحوال أن "الحشد الشعبي" بكل فصائله سيُحرم من امتيازاته. سيستمر "الحشد الشعبي" باعتباره مؤسسة عسكرية تقع خارج حدود الدولة التي تموله بالمال والسلاح. ومَن لا يرغب في ذلك عليه أن يكون مستعداً لحرب أهلية تعيد العراقيين إلى ما حدث ما بين عامي 2006 و2007. ولكن إيران لا تفكر بهذه الطريقة. ليس لبنان حديقتها الخلفية في صراعها مع العالم بل العراق. ولأنها تعرف أن حربها ضد العالم ستقوم يوماً ما فإنها تحرص على أن يبقى العراق تحت يدها. حاجة إيران إلى العراق تفوق حاجتها إلى لبنان. فإضافة إلى موقعه الاستراتيجي وثرواته فإن إيران تحذر من أن تكون إسرائيل طرفاً في حروبها. 
 
بسبب كل ذلك تحرص إيران على أن تضع الملف العراقي تحت يدها بشكل مباشر. وهو ما تعمل الطبقة السياسية الحاكمة في العراق على اخفائه تحت فيض من الشعارات التي لو أمعنا التفكير فيها لأكتشفنا بيسر أنها تتعلق بهيكلية الحكم ولا تمس النظام السياسي الذي سيبقى خاضعاً للإملاءات الإيرانية التي لا ينفذها "الحشد الشعبي" وحده، بل يمارس "الحرس الثوري" رقابة مشددة عليه. من طريق تلك الرقابة تبقي إيران حراسها الطائفيين في مواقع الدولة الحساسة التي يمكنها من خلالها ممارسة الضغط على الحكومة، أياً كان توجهها.
       
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم