إعلان

"معاقبة" ترامب و"ديموقراطية" مواقع التواصل الاجتماعي

المصدر: النهار العربي
باريس- فارس خشان
حساب الرئيس الأميركي دونالد ترامب على تويتر
حساب الرئيس الأميركي دونالد ترامب على تويتر
A+ A-

فيما كانت منصّات التواصل الاجتماعي "تجمّد" صفحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب، موجّهة إليه "تهمة" التحريض على العنف، بدأ الكثيرون في العالم يطرحون الأسئلة الجدية عن مصير الملياردير الصيني جاك ما، مؤسس "علي بابا" الذي اختفى، بُعيد توجيهه انتقادات علنية الى السياسات المالية التي تنتهجها السلطة الشيوعية في بلاده.
 
مشهدان مثيران، في دولتين تتنافسان على قيادة العالم. في الولايات المتحدة الأميركية شركات خاصة تتحكّم بصوت "الرئيس المؤقت"، الأمر الذي يثير الأسئلة حول المستقبل. في الصين، "الرئيس مدى الحياة" يتحكّم بكل الأصوات، الأمر الذي يثير الرعب من تعويم ظلمة الماضي.
 
التفاعل العالمي مع هذين المشهدين مختلف، بطبيعة الحال. في المسألة الصينية استهجان واستنكار وتذكير بأسبقيات النظام الكثيرة، حيث لا تحمي الأفراد، ولا سيما الناجحين منهم، سوى الطاعة العمياء. أمّا في المسألة الأميركية، فالحدث أكبر من أن تحتويه المشاعر والأحكام، لأنّ طريقة التفاعل معه من شأنها أن ترسم الأفق المستقبلي لوظيفة الدولة في النظام الديموقراطي ولدور الشركات الخاصة في صناعة القرار، ولموقع منصات التواصل الاجتماعي التي تلعب أدواراً سياسية رائدة، في حماية حرية التعبير.
 
وينقسم المعنيون - وما أكثرهم في هذا العالم! - بطرد ترامب من مواقع التواصل الاجتماعي بين مؤيّد ومعارض. 
 
اللافت للاهتمام أنّ المعارضين ينتمون بأكثريتهم الساحقة الى الطبقة السياسية عموماً والى الأحزاب التي تعتمد في طموحاتها على الغضب الشعبي كعامل تغييري.
 
ولكن، إذا تمّ إخراج هذا الحدث من "صالة المرايا"، حيث لا تعود الأحكام الصادرة معه أو ضدّه، مجرّد انعكاس للمصالح الذاتية والمشاعر الشخصية، فكيف يمكن التعاطي معه؟
 
النجاح الذي حققته مواقع التواصل الاجتماعي جعلها تلعب أدواراً ريادية في صناعة القرار، وحوّلها إلى هاجس حقيقي لدى السلطات التي وجدت نفسها أمام معادلة يستحيل احتواؤها.
 
بطبيعة الحال، الأنظمة الديكتاتورية أوجدت، بما تملكه من "حرية القمع"، الحل، فهي غير مسكونة بهاجس الإقناع، ولكنّ المشكلة تنامت في الأنظمة الديموقراطية المسكونة بحماية "حرية التعبير" والمحظور عليها تمويل جيوش إلكترونية.
 
في هذه الأنظمة الديموقراطية، تعرّضت مواقع التواصل الاجتماعي، منذ مدة، لحملة كبيرة، بسبب ما يُسمّى تراخيها في التصدّي للأخبار المفبركة وللوقائع المزيّفة وللحضّ على العنف ولتمجيد الإرهاب.
 
وهذه الحملة أعطت ثمارها، بحيث بات مالكو هذه المنصّات مسؤولين عن المحتوى الذي ينشره المشتركون عندهم، الأمر الذي دفعهم الى إنشاء "بوليس افتراضي" يراقب ويلاحق ويعاقب.
وقبل "معاقبة" دونالد ترامب، بصفته أشهر من يستعمل منصات التواصل الاجتماعي، لم يكن أحد يهتم كثيراً بما يتّخذه هذا "البوليس" من قرارات "ردعية" ضد أفراد من هنا ومجموعات من هناك. 
وحوّلت هذه الصلاحية مالكي منصات التواصل الاجتماعي الى سلطة حقيقية بصلاحيات تتفوّق على تلك الممنوحة للسلطات الدستورية والجهات المنتخبة، من دون أن تكون هناك قدرة حقيقية للسلطة القضائية أن تحكم لهم أو ضدّهم، إذ إنّ الملاحقات بخصوص ما يُنشر ينحصر بمن يعبّر عن رأيه لا بمن يسمح لهذا الرأي بالظهور.
 
وبذلك، تفوّق مالكو مواقع التواصل الاجتماعي على مالكي الصحف الذين، في معظم الدول، يتقاسمون، بصفتهم ناشرين، المسؤولية مع الكاتب.
 
ولكن هذه الصلاحيات الكبيرة التي حظيت بها مواقع التواصل الاجتماعي، من جهة، وتحررها من المسؤولية الردعية، من جهة أخرى، تسبّبت، في ضوء القرار الذي استهدف الرئيس الأميركي، بإثارة مخاوف حقيقية، ذلك أنّه أصبح هناك ضرورة لتحديد المعايير، فما الفارق، مثلاً، بين الحضّ على العنف والدعوة الى الثورة؟ ومن هي الجهة التي تفصل بين ما هو حقيقي وما هو كاذب؟ وكيف يمكن تمييز الإرهابي عن التغييري؟ وكيف يمكن ألّا تتحوّل هذه المنصات التي لم يكن يمكن أن تنشأ وتنمو وتزدهر لولا النظام الديموقراطي الذي يحمي حرية التعبير، إلى سلاح بيد جماعة ضد جماعة أخرى، بمعنى آخر، قد يكون دونالد ترامب، خلال حملته الإعلامية "شيطاناً"، ولكن ماذا لو كان غيره "ملاكاً" وجرت "شيطنته" على طريقة التشكيك في صحة كل ما ينطق به من مخاوف وتشكيك واتهامات؟
 
إنّ هذه الإشكاليات بحاجة الى إجابات واضحة، لأنّ الإبهام يسمح بتمرير نظريات المؤامرة التي ثبت أنها تلقى هوى كبيراً لدى شرائح شعبية واسعة، وهذه النظريات، من شأنها أن تُنشئ تيارات مناهضة للديموقراطية، وحينها لا يعود اقتحام الكابيتول، بحاجة الى تغريدة على "تويتر"، ولا الانقلاب على نتائج الانتخابات بحاجة الى كلمات على "أشقائه" ولا اختفاء شخص بحاجة الى الحزب الشيوعي الصيني.
 
 
الكلمات الدالة