إعلان

حروب سلطة الأمر الواقع... طريق جهنّم سالكة في لبنان

المصدر: النهار العربي
ابراهيم حيدر
مرفأ بيروت المدمر
مرفأ بيروت المدمر
A+ A-
يعيش لبنان مأساة يومية على وقع الانهيار، وكأن السلطة الحاكمة تشن حروباً شاملة على اللبنانيين وتمنعهم من أن يلتقطوا أنفاسهم للخروج من الأزمة. يتعطل تشكيل الحكومة اللبنانية، ويسير البلد على طريق جهنم، حين تقدم القوى الأهلية والطائفية الممثلة في الحكم مشاريعها الخاصة وطموحاتها على حساب البلد. "حزب الله" يسير على هدي مرجعيته ويستقل في بنيته الأمنية والمالية ولا يكترث للعقوبات المفروضة عليه وعلى البلد، فيؤمّن الدولار الأميركي ويكشف إمكاناته المالية عبر ماكينات السحب المالي التي نشرها عبر مؤسسة "القرض الحسن" في مختلف المناطق التي يسيطر عليها، فيما الأكثرية الساحقة من اللبنانيين تسير نحو الفقر المدقع. أما بنيته الأمنية والعسكرية، فتستعد للدفاع عن إيران عند أي مواجهة أميركية إيرانية، ما دام يتصرف من خارج الدولة.
 
تثبت الطبقة السياسية والتحالف الحاكم خصوصاً، أن حساباتها الخاصة والضيقة أقوى بكثير من المصلحة اللبنانية، فلا تشكيل للحكومة، إذا كان كل طرف يطرح الصيغة التي تناسب مصالحه، وإن كان الرئيس المكلف سعد الحريري قد أقدم أخيراً على تسليم رئيس الجمهورية ميشال عون مسودة حكومية من 18 وزيراً، قابلها الأخير بتقديم تصوّر مضاد للتركيبة الحكومية لتشتعل مجدداً حرب الصلاحيات بين الرئاستين. لكن الواضح أن هناك من قرر إعادة البلد إلى الوراء، فيسير رئيس جمهورية لبنان في مشروعه لاستعادة الصلاحيات... ينعى اتفاق الطائف ويعود إلى حقبة ما قبل عام 1989 حين كانت الصيغة اللبنانية تعطي الرئيس صلاحيات واسعة، بينما اليوم القرار لمجلس الوزراء مجتمعاً. 
 
يخوض عون حرب الصلاحيات مستنداً إلى دعم "حزب الله" حليفه الأول في السلطة، ما يؤدي بالبلد إلى مزيد من التعطيل واستمرار الأزمة، فيما لبنان في حالة انهيار والحكم فيه معزول عربياً وحتى دولياً، أقله أن المجتمعين العربي والدولي لا يثقان بالحكم وبالقوى الممسكة بالنظام، حتى في مجال المساعدات الإنسانية التي أقرها مؤتمر باريس الأخير.
 
تحوّلت البلاد إلى متاريس سياسية وطائفية ومذهبية، وسط أخطار تأتي من الخارج حول احتمالات الحرب في المنطقة، ولبنان جزء منها في ظل سيطرة "حزب الله" والتحاقه بالهيمنة الإيرانية. لكن الواضح أن هناك تحالفاً لا يزال قائماً بين "حزب الله" ورئيس الجمهورية ميشال عون وتياره السياسي "التيار الوطني الحر". يتبين من طروحات الموقع الرئاسي الأول في البلاد أنه يتحدث كطرف بين الأطراف لا كحكم يدير التوازنات ويقرّب المسافات ويطلق المبادرات ويقدم التنازلات لإنقاذ البلد حتى ولو كانت على حساب تياره السياسي. فإذا به يتخذ مساراً تصعيدياً، مطالباً بحصة وازنة من الوزراء تؤدي إلى ثلث معطل وحتى ثلثين معطلين، أحدهما لعون ورئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل، والثاني لـ"الثنائي الشيعي" أي حركة أمل و"حزب الله"، خصوصاً الأخير الذي بات يتحكم بمسار السلم والحرب انطلاقاً من فائض القوة، وهو ما يعني التحكم بقرار أي حكومة تتشكل مستقبلاً حتى لو تحوّلت حلبة صراع مفتوح ومتاريس للتراشق وحروباً مفتوحة على حساب البلد. والواضح في هذا السياق، أن رئيس الجمهورية يخوض حرباً شاملة مفتوحة في الداخل لتحقيق إنجاز أو ترك بصمة في ما تبقى من ولايته وهي أقل من سنتين. 
 
تتسلح القوى السياسية والطائفية بعصبياتها، وتنشئ غرفاً مغلقة تديرها للمواجهة، فيما تتعزز الدولة ضمن الدولة في مناطق سيطرة "حزب الله" الذي يوظف فائض قوته في الداخل ويستخدمها إقليمياً ويتحضر من خلالها لحرب محتملة. وبات واضحاً أن هذه القوى فكّكت الدولة وحوّلت الحكم إلى متاريس سياسية، بعدما تمكّنت من إنهاء انتفاضة اللبنانيين ضدها. وهذه القوى تخوض معارك سياسية في ظل الفراغ الحكومي، قابلة لأن تنعكس توترات أهلية وطائفية، من الشحن واستحضار الغرائز دفاعاً عن مكسب هنا أو هناك وصلاحيات، وهو أمر قد يدفع البلاد الى وضع جديد أكثر خطورة، وتدهور من نوع آخر عبر الاستنفار المذهبي والطائفي.
 
كل الوقائع في لبنان، تؤكد أن الدولة باتت ممسوخة، وأن الطبقة السياسية غير مؤهلة للإنقاذ، ما دامت قواها لا تريد الاتفاق على تشكيل حكومة مستقلة للإصلاح، ولا التنازل لإنقاذ البلد، ولا كشف ملفات الفساد، ومحاسبة المسؤولين عن انفجار مرفأ بيروت المروّع. كل تاريخ السلطة في البلد أزمات متفجرة، فيما قوى الوصاية وسلطة الأمر الواقع تعبث بما تبقى من علامات مضيئة، وتستهدف الحريات لمصلحة الفوضى السائدة في الأمن السياسي والاجتماعي والاقتصادي والمالي، ما يضيف أعباءً هائلة على حياة اللبنانيين الذين كانوا قد فتحوا في انتفاضتهم المهدورة كوة للتغيير أُُسقطت بالتوظيف والاستثمار والقمع. وها هم اليوم يواجهون سلطة تهرّب الى الخارج لحماية منظومتها، وتصر قواها على التلاعب بالبلد ورهنه لحسابات إقليمية ودولية. 
 
لم تعد قوى السلطة قادرة حتى على إنقاذ نفسها وتعويم وضعها على حساب اللبنانيين أنفسهم، فيخسر البلد من رصيده، وهو اليوم في القعر مع جملة المصاعب والمصائب التي يعانيها. سلطة جهنم تؤكد عجزها وعدم قدرتها على الإنقاذ وفشلها في حماية المواطنين، وهي تساهم في تعريض لبنان للخطر والانهيار بإدخاله في أتون الصراع الإقليمي، فيما أوضاعه الاقتصادية والمالية والنقدية والمعيشية في الحضيض. هذا كله يحصل فيما أركان الطبقة السياسية والمنظومة الحاكمة وقواها يبحثون عن مصالحهم وحصصهم فوق الجثث والركام والنار.
 
Twitter: @ihaidar62
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم