إعلان

أميركا تستعيد روحها ودورها مع بايدن

المصدر: النهار العربي
مهى سمارة
دونالد ترامب
دونالد ترامب
A+ A-

 انتخابات أميركا 2020 كانت مثيرة، مشوّقة، ممتعة ومتعبة. ملايين داخل أميركا وخارجها راقبوها لأن لرئاسة أميركا أهمية وتأثيراً في العالم بأسره. 
 
   قوبل فوز جو بايدن بارتياح كبير. أعاد الثقة بأميركا التي يعرفها العالم. أقل صخباً وأكثر هدوءاً واتزاناً. استعادت الديموقراطية مجدها وغابت الأوتوقراطية التي مثلها ترامب. بايدن السياسي المخضرم جدد الإيمان بالقيم والأخلاق والتقاليد الموروثة عن آباء الاستقلال المؤسسين قواعد كان يلتزمها جميع رؤساء أميركا السابقين من جمهوريين وديموقراطيين.
 
   دونالد ترامب يمثل حالة خاصة وشاذة. ظاهرة غير عابرة، لن تخبو بسهولة وبسلام. إذ ستبقى الترامبية من دون الرئيس. إدارته كانت غير تقليدية. شعبوية مزاجية صدامية غيّرت مفاهيم وسلوكيات. بايدن شخصية تقليدية وسيحافظ على الإرث الأميركي وسيعيد التوازن والاحترام الى المؤسسات والمبادئ الديموقراطية.
 
   ترامب حكم أميركا من فوق الدستور. كرّس حكم الفرد والرأسمالية المتوحشة انطلاقاً من مفاهيم السوق التي تعلمها في جامعة وارثون. عشقه البيع والشراء، صانع الصفقات وتاجر العقارات. لفترة اعتقد الأميركيون أن نموذج العالم الثالث والمتخلف انتقل الى بنسلفانيا افينيو. بدأ ترامب طرازاً جديداً للرئاسة لم يكن مألوفاً ولا ممارساً من قبل. حتماً لم يسر على خطى أسلافه جون كينيدي وريتشارد نيكسون وجورج بوش الأب. قيادة جديدة خارجة من الغابة. لا تحترم تراتبية الإدارة ولا تقيم وزناً لرأي الخبراء والمستشارين إذا جاءت مخالفة لمصالحه. ترامب كان الرئيس الذي يكثر التوظيفات والأسرع في طرد المعاونين عبر كلمتين على "تويتر"، أسلوبه المفضل للتخاطب والتواصل والذي اسنتفده بإرسال 88 مليون رسالة في أربع سنوات. 
 
    للأسف هزيمة ترامب لن تؤدي الى اعتزاله السياسي. سيبقى في الساحة مشاغباً شقياً ينتظر بايدن عند أول كوع. الرجل يخطط للعودة الى حلبة الصراع في 2024 عندما يكون في 78 سنة من العمر. قاعدته الشعبية واسعة وموجودة لا يمكن تجاهلها، تشاركه الانغلاق الفكري والكره العنصري والعزلة الدولية. يتردد أنه في صدد افتتاح محطة تلفزيونية خاصة ترويجاً لأفكاره ومواقفه. 
 
   بعد أسبوع من إعلان فوز بايدن لم يعترف بالخسارة، برغم نصائح زوجته وصهره. لم يتصل بالرئيس الـ46 ولم يهنئه كما تقضي الأعراف والدبلوماسية. غروره. نرجسيته. تمسكه بالسلطة وشخصيته تمنعه من مواجهة الحقيقية. 
 
   بكل المقاييس ترامب شخصية فريدة واستثنائية. حوّل المهرجانات الانتخابية سيركاً. احتكر المسرح وعشق الخشبة بحركاته وقفزاته. كانت الانتخابات الاأخيرة الأكثر إقبالاً في تاريخ أميركا منذ 120 سنة والأغلى تكلفة: 14 مليار دولار، والأكثر إثارة ومحورية. ترامب لا يشبه رؤساء أميركا السابقين جيرالد فورد وجيمس كارتر وجورج بوش الأب الذين خدموا دورة واحدة وخسروا الثانية. وعادوا الى قواعدهم يتابعون حياة طبيعية بهدوء، يبدون النصائح لمن يريدها ويفتحون المكتبات بأسمائهم ويكتبون مذكراتهم. ترامب مختلف، سيبقى الرئيس الشعبوي الذي طاوع الحزب الجمهوري وطبعه بصورته. 
 
 الانتخابات الأخيرة كشفت أمراض المجتمع الأميركي. وبيّنت الانقسامات والفوارق الفكرية والاجتماعية والاقتصادية. الحزب الجمهوري منقسم مثل البلاد. فئة مع ترامب وأخرى ضده نقلت ولاءها وصوّتت لبايدن، نكاية به وقرفاً من تصرفاته وسياسته. جورج بوش الابن اتصل ببايدن وهنأه. بعض أعضاء مجلس الشيوخ أبدوا استعداداً للتعاون مع الإدارة الجديدة. كثيرون بين الجمهوريين يميلون الى التهدئة بعد العاصفة ويتقبلون الأمر الواقع ومستعدون للتعاون لمصلحة أميركا. بينما آخرون مثل زعيم الأغلبية في مجلس الشيوخ الجمهوري ميش ماكونيل والسيناتور لسلي غراهام يحرّضون ترامب على تقديم الطعون والدعاوى للوصول الى المحكمة العليا. لأول مرة في انتخابات أميركا نسمع بالتزوير وسرقة الأصوات وتصويت الموتى من دون تقديم أدلة ومستندات دامغة.
 
    أميركا تتخبط في ألوانها وولاءاتها. الولايات المحسوبة على المحافظين انقلبت من الأحمر الى الأزرق. المحافظون الذين كانوا يحتكرون حزام الشمس، والإنجيليون والمجتمع الزراعي الريفي في وسط أميركا بدّلوا ولاءاتهم. وكذلك فعل سكان المدن والسواحل الشرقية والغربية. لم يعودوا محسوبين على الديموقراطيين. في خلط أوراق كبير انقلب السحر على الساحر، خصوصاً في الولايات المتأرجحة. المواطن الأميركي العادي يتوق الى الاستقرار والى أن يكون مع عائلته في صحة جيدة في زمن الكورونا ومواظباً على وظيفته وعمله في أحوال الكساد الاقتصادي.
 
   في عهد ترامب الوحيد شهدت أميركا نهجاً جديداً. أقفل الحكومة. بنى جدار العزل مع المكسيك ومنع تدفق المهاجرين من أميركا الوسطى والجنوبية. تدخل في القضاء وعيّن ماري باريت في المحكمة العليا في عز المعركة الانتخابية. تدخل في عمل الكونغرس وغيّر كثيراً من المناهج. وظّف المحسوبين على حساب الكفاءة والنزاهة. خفض الضرائب عن الأغنياء وسحب "المد كير" من الفقراء. وفضل الاهتمام بالاقتصاد على حساب الصحة. جاءت جائحة كورونا لتفضح القطاع الصحي، وأدى الوباء القاتل الى موت 233 ألف أميركي. كوفيد 19 تحوّل أكبر عدو لترامب وأحد أسباب خسارته نظراً الى المعالجة غير العلمية وعدم الإصغاء الى نصائح الأطباء وأهل العلم. 
 
   لعبت الأجيال الجديدة الشابة والغاضية والنساء والمسنون دوراً مهماً في إسقاط ترامب. كان انتخاب كمالا هاريس نائبة للرئيس خياراً موفقاً واختراقاً مهماً لدور المرأة في السياسة واعتلاء المناصب القيادية. ما حقّقته تلك المحامية السمراء عجزت عنه جيرالدين فيرارو في 1984 وهيلاري كليتنون في 2016. 
 
   يتخوف البعض من تبعات الانتخابات. ويرى محللون أن نظام الحزبين القائم لا يتلاءم مع القرن 21 والتطورات الراهنة. هذا ما نادى به قبل ثلاثة عقود المحامي اللبناني الأصل رالف نادر داعية حقوق المستهلكين الذي طالب بتأسيس حزب ثالث.  الاستقطابات العرقية والسياسية والانقسامات الحادة بين المحاور خوفت المراقبين من أن تؤدي الى انزلاقات ومواجهات عنيفة بوجود السلاح المتفلّت الذي يقره القانون. لكن حكماء أميركا وعقلاءها من الحزبين لن يسمحوا للأمور بأن تفلت وتعرّض الأمن القومي الى خطر. لا يستبعد حصول حوادث شغب واضطرابات إنما تبقى محدودة ومتفرقة. أميركا دولة يحكمها القانون. الجميع يخضع الى السيستم ويحترم القوانين برغم التناقضات وتعدد الأجناس والأعراق والأديان والأجيال والطبقات الاجتماعية الاقتصادية. عظمة أميركا أنها استطاعت تدجين القادمين والمهاجرين وترويضهم في بوتقة واحدة وأن تصقل الغرائز والانفعالات. 
 
   نجاح بايدن يرجعه البعض الى حسن تنظيم حملته الانتخابية التي أشرف عليها الرئيس السابق باراك أوباما. والمرجح أن يكون له بصمة وتأثير في الإدارة الجديدة. ترامب كان يوجه الاتهامات الى أوباما ولم يترك مناسبة إلا وغمز من قناته انطلاقاً من كرهه للملونين من دون وجه حق.
 
    منذ 1792 عرفت أميركا انتقالاً سلساً للسلطة. الأرجح أن يتحقق ذلك في آخر المطاف وقبل التنصيب في 20 كانون الثاني (يناير). ما جرى في انتخابات 2000 بين بوش الابن وآل غور لن يتحقق الآن. الفرق الشاسع في الأرقام بين ترامب وبايدن في المجمع الانتخابي والتصويت الشعبي كبير جداً. ليس من مصلحة أميركا أن يتحول عهد بايدن صراعاً سياسياً كبيراً ومفتوحاً بوجود الجمهوريين في مجلس الشيوخ الذين سيعرقلون قراراته. الانتخابات أظهرت وجود انقسام عمودي مستمر وحالة من التوتر وعدم الاستقرار، ما سيدخل البلاد إذا استمرت الأمور على هذا المنوال، في صراعات قانونية ودستورية لا تنتهي. 
 
    الانتخابات الأميركية لها صبغة دولية تؤثر في العالم. ولها أهمية زائدة في الظروف الصحية والمالية والاقتصادية والسياسية الراهنة، لأن العالم بحاجة الى تعاون دولي استثنائي وبقيادة أميركا لمواجهة الكورونا والانكماش الاقتصادي العالمي وقضايا المناخ والبيئة الخ الخ.
 
    أهم مهمة تنتظر بايدن وحدة الأميركيين وتوحيدهم وعودة الضمان الصحي الى جميع الأميركيين وتقديم التحفيزات للعاطلين من العمل. عظمة أميركا أنها بوتقة تجمع التناقضات وتصهر الاختلافات وتمنح الأفراد والمجموعات فرص الارتقاء والازدهار وتحقيق الأحلام. ترامب دفع ثمن رعونته في معالجة كورونا وعدم الاستماع والانصياع الى العلماء والأطباء. استخف بالعلم واحتقر العالم الآخر والمختلف. نظر الى الحلفاء كشركاء في صفقة تنتهي المصلحة معهم مع توقيع العقد. قيادة أميركا للعالم في عهده لم تترك له صديقاً سوى أمثاله الشعبويين مثل بوتين ونتنياهو وأردوغان وبولسنارو. أخرج أميركا من الأونيسكو ومنظمة الصحة العالمية. هدد بفرط الناتو. حجب مساعدات مالية عن الأمم المتحدة. أغرى صديقه بوريس جونسون بالخروج من الاتحاد الأوروبي. استمع الى السياسي الإنكليزي نيل فراج واصطحبه في حملاته الانتخابية. لم يتعاطف مع انجيلا ميركل. أقام علاقة وظيفية مع ماكرون برغم خلافاتهما في مواضيع المناخ وإيران والاتفاق النووي. أغدق العطاء لإسرائيل وقام بما لم يفعله أي رئيس أميركي آخر، فنقل السفارة الأميركية الى القدس واعترف بها عاصمة لإسرائيل. ضغط على دول الخليج والسودان التي عقدت ثلاث اتفاقيات تطبيع خلال شهرين. أقفل مكتب منظمة التحرير الفلسطينية في واشنطن وحجب المساعدات الأميركية عن الفلسطينيين...
 
    برز تململ ومعارضة لأسلوب ترامب على مستوى البيروقراطية الأميركية التي سئمت من تدخلاته في القضاء والكونغرس وطريقته المبتذلة في مخاطبة الجمهور. تصرفاته. نكته. عباراته لا تليق بالرئاسة وبشخص يتولى مسؤولية عامة. وكذلك احتقاره معاونيه وطريقته الفجة وغير الدبلوماسية في التخلص منهم واحداً واحداً: بولتون، الدكتور فاوتشي، مدير الإف بي آي  راي كريستوفر وغيرهم وغيرهم.
 
    رفض ترامب الإقرار بالهزيمة. عدم الاتصال ببايدن يعتبر معطلاً للممارسة الديموقراطية ويعبّر عن أنانية. ووضع مصلحتة الشخصية فوق مصلحة البلاد العليا وعرّض النظام الى التشكيك والتعطيل. أسلوب ترامب فيه كثير من السذاجة والجهل بكيفية تسيير الأمور. عكس بايدن، ابن المؤسسة السياسية بامتياز. انتخب ست مرات عضوا ًفي مجلس الشيوخ عن ولاية ديلاوير. ونائباً للرئيس باراك أوباما لدورتين متتاليتين. وشغل رئاسة لجنة الشؤون الخارجية في مجلس الشيوخ، ما يؤهله لإقامة علاقات أحسن مع العالم وأقل توتراً وأكثر فهماً للقضايا الدولية الشائكة. 
 
    سنوات ترامب جعلت أميركا غامضة وغير مفهومة. وقليلة التدبير. إدارته تحولت بابل جديدة. لا أحد يفهم على أحد. تناقضات. تغيرات. الاستمرار الوحيد في سياسته الخارجية كان الحرب على إيران وفرض عقوبات، وصداقة متينة مع إسرائيل، وتحديداً مع نتنياهو. تعاطى ترامب مع الحلفاء كأنهم منافسون، ومن سياسة تبادل المصالح الى سياسة الدفع سلفاً لقاء خدمات أمنية وحماية عسكرية. لا مكان للمجانية في قاموسه. ولا أعمال خيرية وأخلاقية لخدمة الإنسانية والسلام العالمي. الابتزاز سيد الموقف والصفقات هي طريقة التعامل. لا قيم ولا صداقات بل مصالح وشيكات. 
 
    ترامب ساهم في خفض مكانة أميركا في العالم. أعجب بالطغاة وصادقهم، بوتين، كيم جون اون، نتنياهو... لم يحترم ويقدر الديموقراطيات الأوروبية. العلاقات في عهده بين ضفتي الأطلنتيك فقدت الانسجام والمرونة وساد التوتر. ترامب جاء الى السياسة لخدمة مصالحه الخاصة. لم ينتم الى حزب ولم يشغل أي منصب في الدولة، لا نيابة ولا وزارة. دخيل على الحزب الجمهوري ومرفوض من قادته. لكن بسطوته وصلافته استطاع السيطرة واستمالة الخصوم وحوّلهم مناصرين. من الصعب أن يبرز قائد أو زعيم بوجوده ومن دون الحصول على بركته وزيارة منتجعه في مار اولاغو في فلوريدا.
 
    لا أعرف كيف سيتحدث التاريخ عن ترامب الشخص والإدارة. ربما لن ينصفه. بدأت المكتبات تعرض آخر المنشورات. ولعل كتب بوب وودوارد وجون بولتون وابنة شقيقه نماذج أولية لما سينشر عن حقيقة "تنذكر ولا تنعاد". أميركا الدولة الأقوى والأهم والأغنى والأكثر علماً وثقافة تستحق أن يحكمها كبارهم لا صغارهم، رجالاً ونساءً.
    بوصول بايدن تسترجع أميركا روحها ودورها وقيمها واحترامها بين الأمم. 

 
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم